الجمعة، 15 مارس 2013

التعصب ضد الأقليات

معركة الإسلام و الرأسمالية
سيد قطب
شبهات حول حكم الإسلام

التعصب ضد الأقليات
   بقيت شبهة أخيرة , أنا أكره الحديث فيها , ولكن بعضهم يشير إليها تصريحا أو تلميحا , وبعضهم يتخذها تكأة وسببا لإرضاء غايات صغيرة , وتحقيق منافع يسيرة .. تلك هي مسألة الأقليات في حكم الإسلام , وقومية الحكم في ظل إسلامية التشريع .
   إنني أحسب مجرد التخوف من حكم الإسلام على الأقليات القومية في بلاده نوعا من التجني الذي لا يليق , فما من دين في العالم وما من حكم في الدنيا , ضمن لهذه الأقليات حرياتها وكرامتها وحقوقها القومية , كما صنع الإسلام في تاريخه الطويل . بل ما من حكم دلل الأقليات فيه كما دلل الإسلام من تقلهم أرضه من أقليات . لا الأقليات القومية التي تشارك شعوبه في الجنس و اللغة و الوطن , بل الأقليات الأجنبية عنه وعن قومه .
   وما كان جزاء الإسلام على عدله وحسن رعايته , إلا اضطهاد أتباعه في بلاد الأديان الأخرى , وفي ظل جميع أنواع الحكم ما عداه في القديم وفي الحديث سواء مما يجعل الحديث عن قومية الحكم لا إسلاميته , حديثا بغيضا , لا سند له من الحق ولا من الواقع ولا من التاريخ , ولا من روح الإنصاف التي يجب أن يتحلى بها المواطنون في كل بلاد الإسلام .
   وسأختار هنا عهدا من عهود الإسلام كان ينتظر أن يكون أشد العهود تعصبا وقسوة و فظاظة . إذ أنه كان في العهود المظلمة , وكان القائمون عليها هم الأتراك . وسأدع كاتبا مسيحيا أوربيا يتحدث عنه في معاملته للأقليات غير المسلمة و للبلاد المفتوحة . وسأكتفي بهذا المثال دون سواه , لأنه يبلغ فصل الخطاب في هذا المقام .
   قال "سير ت. و . أرنولد " في كتابه " الدعوة إلى الإسلام " ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين , وإسماعيل النحراوي ص 138 ـ 139
    " إن المعاملة التي أظهرها الأباطرة العثمانيون للرعايا المسيحيين ــ على الأقل بعد أن غزوا بلاد اليونان بقرنين ــ لتدل على تسامح لم يكن مثله حتى ذلك الوقت معروفا في سائر أوربا : وإن أصحاب كلفن في المجر وترنسلفانيا , وأصحاب مذهب التوحيد من المسيحيين الذين كانوا في ترنسلفانيا , طالما آثروا الخضوع للأتراك على الوقوع في أيدي أسرة هابسبورج المتعصبة , ونظر البروتستانت في سيليزيا إلى تركيا بعيون الرغبة , وتمنوا بسرور أن يشتروا الحرية الدينية بالخضوع للحكم الإسلامي . وحدث أن هرب اليهود الإسبانيون المضطهدون في جموع هائلة , فلم يلجأوا إلا إلى تركيا . كذلك نرى القوزاق الذين ينتمون إلى فرقة المؤمنين القدماء الذين اضطهدتهم كنيسة الدولة الروسية , قد وجدوا من التسامح في ممالك السلطان ما أنكره عليهم إخوانهم في المسيحية . وربما يحق لمقاريوس بطريق أنطاكية في القرن السابع عشر أن يهنئ نفسه حين رأى أعمال القسوة الفظيعة التي أوقعها البولنديين من الكاثوليك على روسيي الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية , قال مقاريوس : " أننا جميعا قد ذرفنا دمعا غزيرا على آلاف الشهداء الذين قتلوا في هذه الأعوام الأربعين أو الخمسين على يد أولئك الأشقياء الزنادقة أعداء الدين . ربما كان عدد القتلى سبعين ألفا أو ثمانين ألفا . فيا أيها الخونة ! يا مردة الرجس ! يا أيتها القلوب المتحجرة ! ماذا صنع الراهبات و النساء ؟ وما ذنب هؤلاء الفتيات والصبية والأطفال الصغار حتى تقتلوهم ؟ ولماذا أسميهم البولنديين الملعونين ؟ لأنهم اظهروا أنفسهم أشد انحطاطا وأكثر شراسة من عباد الأصنام المفسدين , وذلك بما أظهروه من قسوة في معاملة المسيحيين , وهم يظنون بذلك أنهم يمحون اسم الأرثوذكس . أدام الله بقاء دولة الترك خالدة إلى الأبد ."
   فماذا لقي المسلمون في مثل ذلك الزمان , بل ماذا يلقون حتى الآن ؟ إن الجرائم الوحشية ترتكب ضدهم في الحبشة جارتنا . وفي الملايو تحت الحكم الإنجليزي (1) وفي روسيا ويوغوسلافيا وسائر  البلاد الشيوعية التي يزعم المروجون لها هنا , و المستغفلون من إخواننا أن لا علاقة لها بالأديان , ولا عصبية فيها ضد الإسلام . وفي الهند التي هددنا سفيرها في مصر , لأن سفيرنا بالباكستان قد نسبت إليه كلمة حق عن كشمير . لا بل أن هذه الجرائم الوحشية لترتكب ضدهم في عقر دارهم , في الشمال الأفريقي على يد فرنسا , وفي جنوب السودان على يد انجلترا , وفي كل مكان يضع فيه الاستعمار قدمه حتى الآن !
   إن كل ما يذكرونه ضد حكم الإسلام هو أصداء لبعض المذابح الأرمنية على أيدي الترك المتأخرين . ولكن هذه المذابح لم تكن وليدة تعصب ديني , بل كانت ذات طابع سياسي . فهذه العناصر كانت شوكة تستخدم دائما لوخز الدولة العثمانية في أبان ضعفها وتحركها روسيا أو أوربا لأسباب سياسية , ناشئة عن روح صليبية , على ما وقع للأرمن المسيحيين وقع مثله للعرب المسلمين في سورية , وفي ظروف سياسية مشابهة . وقد قامت بهذه وتلك أرذل العناصر في الدولة العثمانية , تلك العناصر التي هي بطبيعتها شغوفة بالدماء و القسوة والإجرام , واستوي المسلمون وغير المسلمين في تلقي ويلاتها وآثامها في طول البلاد . وما كان هؤلاء فهمة للإسلام و لغير الإسلام !
   إن الحكم حين يصير إلى الإسلام , سيسير على مبادئه السمحة الكريمة , التي لا يملك إنكارها أحد . ولن يتغير على الأقليات شيء في أوضاعها ولا حقوقها التي تتمتع بها الآن . وعلى الذين يتحدثون في هذا الموضوع أن يذكروا أن الولايات المتحدة الأمريكية التسع و الأربعين , ليس فيها حاكم كاثوليكي واحد , لمجرد أن الأغلبية هناك من البروتستانت . وكلاهما مسيحي , لا يختلف عن صاحبه إلا في المذهب .
   وعليهم أن يذكروا أن اضطهاد المسلمين في الحبشة قد بلغ إلى حد استرقاق المدين المسلم الذي لا يوفي بدينه للمسيحي . لمجرد أن الحكم للمسيحيين . ولو أن الأغلبية العددية هناك للمسلمين !
   ما الذي يمكن أن يفتح به فمه إنسان عن حكم الإسلام من ناحية الأقليات ؟ إن الحياء وحده لا يكفي , وإنني لأكره الحديث في هذا الموضوع , فكل حديث فيه هو نوع من التجني القبيح لا يليق !
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)             أقرب الحوادث إلى الأذهان حادث الفتاة الهولندية التي التقطتها سيدة مسلمة وهي طفلة شاردة فرعتها وربتها فنشأت مسلمة وتزوجت من مسلم , وإذ بالدولة الإنجليزية تجند جيشها لرد هذه الفتاة إلى المسيحية , وضرب مسلمي سنغافورة بالمدافع الرشاشة ! إنها تدل على التسامح الديني الكامل ! التسامح الإنجليزي و الهولندي بطبيعة الحال !


عداوات حول حكم الإسلام

الحريم !!!


سيد قطب
شبهات حول حكم الإسلام
الحريم !!!
   هناك شبهة قوية لصقت بهذا الدين , وهي بعيدة عن روحه وتعاليمه , بعدها عن الواقع التاريخي فيه .. شبهة "الحريم" !
   إن "الحرملك" و "السلاملك" لفظان تركيان , يشيران إلى نشأة ذلك النظام في العالم الإسلامي . وما أظن أحدا يتهم الأتراك بأنهم فهمة للإسلام , ولا كانوا من الصحابة و لا التابعين !
   لقد كانت وثبة الإسلام بالمرأة وثبة ثورية بالقياس إلى العصر , وما تزال إلى اليوم خطوة كريمة , لم تزد عليها الحضارة الغربية إلا حرية الاستهتار !
   إن الكثيرات يخشين لو عاد الإسلام إلى الحكم أن يردهن رقيقا , أو أن يحبسهن في الحريم . وهي خشية لا أساس لها , ولا يعرف الإسلام منشأها . و الذي نعلمه ونؤكده أن المرأة الفاضلة ليس لها أن تخشى من الإسلام وحكمه شيئا , فقد منحها الإسلام من الحرية الواسعة الكريمة ما هو حسب أي إنسان فاضل شريف للعمل المثمر في حياة المجتمع  .
   منحها حق المِلك و الكسب بالطرق المشروعة , ومنحها حرية تزويج نفسها ممن تشاء بلا ضغط ولا إرغام , ومنحها حق الخروج و الدخول في ثياب محتشمة , لا تثير الشهوات ولا تجعلها نهبا للنزوات .
   نعم . إنه منعها أن تخرج للناس بثياب السهرة ! ! أو توزع النظرات الغزلة , و الضحكات الفاجرة . . فمن كانت لا تعرف الحرية إلا هكذا , فلتخش الإسلام وحكم الإسلام !
   فأما الذين يتحككون بحرية المرأة , ليتحككوا بالمرأة , من أصحاب الأقلام المائعة , فأولئك يعرفون أهدافهم , وتعرفها أوكار النساء التي ترحب بهم , وتدعوهم إلى حفلاتها الداعرة , التي يتجرد فيها الإنسان من كل مقومات الإنسانية , ليرتد حيوانا في غابة , وينقلب الجنسان ذكرا و أنثى .. وهذه الحفلات الداعرة لا يعرفها الإسلام .
   لقد كان النساء في عهد محمد صاحب هذا الدين , يذهبن إلى المسجد للصلاة , ويذهبن إلى السوق للتجارة , ويخرجن في الغزوات لتشجيع الرجال . فإذا جاء عصر من عصور الظلم والاستبداد فأحال المرأة سلعة , فقد أحال ذلك العصر نفسه الرجال إلى أرقاء .
   أنه ليس الإسلام الذي كان يأمر السلاطين بإلقاء الرجال في جب الحيات , وكذلك لم يكن هو الذي يأمر الرجال بإلقاء النساء في "الحريم" إنما كان ذلك ظلما شائعا ذهب ضحيته الرجال و النساء سواء .
   كذلك ليست "الحرية" هي التي تكشف الأفخاذ و النهود في الحفلات الساهرة اليوم . إنما هي الدعارة الروحية تتزيا بزي الارستقراطية , و العبودية للجسد تتزيا بزي الحرية .
   فإذا جاء حكم الإسلام فسيرد للمرأة حريتها الكريمة التي تنقذها من الرجعية التي لا تزال تسيطر في بعض الأوساط , و التي تنقذها كذلك من الإباحية التي خرجت من وسط "الارستقراطية" .
   إنه سينقذ روح الإنسانية المهينة في "الحريم" وفي "الصالون" سواء . فهي في الأولى مهينة بالكبت و الظلم , و هي في الثانية مهينة بالرخص و الابتذال .
   إنه لا خوف من الإسلام على امرأة فاضلة تزاول نشاطها الإنساني في حدود الشرف و الكرامة . فأما اللواتي لا يسمعن هذا المجال , فلهن أن يخشين كل الخشية من حكم الإسلام (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)             يراجع هذا الموضوع بتوسع في كتاب "السلام العالمي والإسلام" فصل سلام البيت

سيد قطب

غموض النصوص


سيد قطب
شبهات حول حكم الإسلام
غموض النصوص
  بعض الأبرياء الجهلاء يصدق ما يشيعه المغرضون عن غموض النصوص في الشريعة الإسلامية , لأن بعض هؤلاء المغرضين يتسمون باسم العلماء , فتنشأ في نفوسهم شبهة في أن قبول النصوص للتأويل , سيحيلهم إلى عماية ومتاهة , فلا يجدون أصول القانون الذي يحكمهم واضحة معروفة .
   والجهل بهذا الدين هو الذي يبقى على مثل هذه الشبهة في النفوس , و التفسيرات و الحواشي و الشروح التي عكف عليها الأزهر في وقت جموده , و التي ما يزال يعيش عليها , دون الرجوع إلى المنابع الأولى الواضحة البسيطة , يجعل للجهلاء بالدين عذرا . فأين هم وهذه المتاهة الواسعة في الحواشي و الشروح ؟!
   وثمة أصل آخر لهذه الشبهة لا يعرفه الأبرياء الجهلاء , ولكن يتخذه بعض المغرضين وسيلة للتخويف .. هو شمول المبادئ الإسلامية وسعة أصولها . وبدلا من أن تكون هذه مزية تُحمد فإنهم يجعلونها خطرا يخشى ..
   إن الأصول الإسلامية ليست هي هذه الشروح و الحواشي التي يتدارسها الأزهر , ليقتل بها شباب طلابه , ويأكل أعمارها , ليخرجوا منها بأقوال متعارضة , وجدل عقيم . ولقد كتبت قبل اليوم كتابا كاملا عن " العدالة الاجتماعية في الإسلام " في نحو ثلاثمائة صفحة وكتابا آخر عن "السلام العالمي و الإسلام " في نحو مئتي صفحة , فلم أجد أنني بحاجة إلى الرجوع إلى شيء من كتب الحواشي , لأن الينابيع الأصيلة في الإسلام في الكتاب و السنة و السيرة و التاريخ , كانت كافية لي لإخراج هذين البحثين ولإخراج سواهما مما سيجيء .
   و المذاهب الأربعة الكبرى في الإسلام كان مصدر كل ما فيها من أحكام وتشريعات هو من الكتاب و السنة .. وهي مصادر ميسرة للكثيرين .
   نعم قد تختلف الآراء في الجزئيات و التطبيقات . ولكن كل نظرية تشريعية في العالم تختلف حولها الشروح . وبتجادل فيها الفقهاء القانونيون . ثم لا يدعو أحد إلى نبذ تلك النظريات التشريعية , لأن الشراح لم يجمعوا فيها على تفسير .
   فأما سعة المبادئ وعمومها , فذلك في غير الحدود , أي في الشؤون العامة المتجددة مع الحياة . كتقرير مبدأ الشورى في الحكم , وترك الطريقة التي تتم بها الشورى دون تحديد . كما ينص الدستور المصري الحاضر على أن تكون الحكومة برلمانية , ثم يترك طريقة الانتخاب لقانون الانتخابات . وكتقرير مبدأ درء الحدود بالشبهات , ثم ترك بيان الحالات التي يدرء فيها الحد عن المتهم , يصوغها القانون الذي يفسر هذه القاعدة , أو يحددها القاضي الذي يزاول النظر في الحادثة . وكتقرير مبدأ قتال الفئة الباغية من المتحاربين حتى تفيء إلى أمر الله , وترك تحديد الحالات التي توصف بأنها حالات يفي للمحكومين فيها . وذلك ما تصنعه هيئة الأمم المتحدة اليوم في تقرير أن حالة ما تُعد اعتداء ترده بقية الأمم . حتى يفيء المعتدي إلى أمر القانون الدولي!
   إن الحلال بين و الحرام بين . أما الذين يتعمدون التأويل لأغراض غير التي يعنيها القانون , فهم مستطيعون ذلك  في كل وقت , وفي ظل أي قانون . وها نحن أولاء نرى كل وزارة تلي الحكم تجد للقانون تفسيرا و تأويلا , وترتكب في ظله ما لم يخطر على بال واضعه . أيقال حينئذ أن القوانين يجب أن تلغى , لأن طاغية من الطغاة قد أوّلها تأويلا سيئا تقبله نصوصها أو لا تقبله ؟ فما بال القانون الإسلامي وحده هو الذي يتهم عندما يؤوله الطغاة تلك التأويلات ؟ إنها شبهة ظالمة في الواقع لا تنهض على أساس سليم .


سيد قطب

طغيان الحكم


سيد قطب
شبهات حول حكم الإسلام
طغيان الحكم
   ويجزع الكثيرون من المفكرين ورجال الفنون من حكم الإسلام أن ينصب لهم المشانق أو بالنار أو يلقى بهم في ظلمات السجون !
   لماذا ؟ لأن الحكومة الدينية من طبيعتها الاستبداد و الظلم , وخنق الحريات وكتم الأنفاس , وضيق الأفق وجمود التفكير . . !
   ومن أين جاءت هذه الصورة البائسة النكدة لحكم الإسلام وحكومة الإسلام أيها المفكرون المثقفون ؟ أنها جاءت من محاكم التفتيش في عصور الظلمات , تلك التي حرقت العلماء , وقتلتهم بالخوازيق و ألقت بهم إلى الحيات و الثعابين . كما جاءت من الحكومات القائمة اليوم باسم الدين في بعض بلاد المسلمين .
   ولكن واحدة من هذه الحكومات ليست من الإسلام , إنما تعتمد على الجهل الفاشي , والانحطاط العقلي , والتأخر الفكري , في البلاد التي قامت بها في القديم و الحديث.
   أعط هذه الشعوب الخاضعة للاستبداد علما ورقيا ونورا , ومعرفة بالدين . . تسقط عنها هذه الغشاوة , و تدرك أن الإسلام في صفها على الحاكمين المستبدين , وليس في صف هؤلاء الحاكمين .
   أ فإذا ادعى الحاكم المستبد أنه يستبد باسم الدين كان ذلك تهمة لهذا النوع من الحكم يوجب إقصاءه عن الحياة ؟ إذن فما الرأي في الحكم الديمقراطي الذي تحكم اليوم باسمه مصر و العراق والأردن , وكلها تحكم ــ و الحمد لله ــ حكما ديمقراطيا دستوريا برلمانيا على آخر طراز الدساتير !
أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية ؟ وجهاز الدولة كله يعمل لحساب الرأسمالية , وهذه الملايين جائعة عارية مريضة مستغلبة , ولا حامي لها ولا نصير ؟
أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية ؟ و "نفر البوليس " يملك أن يتهم أي فرد في عرض الطريق أنه ارتكب جريمة ما , ثم يقبض عليه ويصفعه ويركله ويشتمه , ويجرجره في الوحل إذا تأبى عليه , حتى يذهب به إلى قسم البوليس , ليحرر له محضرا . وكل ذلك قبل أن يعرض على النيابة , وقبل أن يقدم إلى القضاء , وقبل أن يتقرر إذا كان مجرما أو بريئا من المحكمة بعد التحقيق !
   أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية , تلك التي يقع فيها ما يرويه رجل كالأستاذ المجاهد محمد على الطاهر في كتابه الجامع "معتقل هاكستب" يقول:
   " وقد بلغ بوالدة "على عمار" الطالب بكلية الحقوق بجامعة فاروق الأول أحد المعتقلين وشقيقاته البنات أن اختبأن تحت السراير هربا من نيران البنادق السريعة الطلقات فقلبت السراير وصرخ قائد القوات فيهن فانعقدت ألسنتهن .
   " ويساق رجال الأسرة بأكملها إلى المعتقل ضربا بالعصي و السياط في جميع أجزاء الجسم , من باب المنزل إلى باب المعتقل .
   " وعادت النساء إلى الأم المشدوهة المتطلعة إلى وليدها وأبيه وأشقائه وهم يجلدون أمامها , فوجدن المسكينة قد أصيبت بالشلل لا تتكلم , وما زالت حتى الآن .
   " وقد أثبت الطبيب الشرعي في تقريره الذي قدمها إلى القضاء العادل أن على عمار الطالب بكلية الحقوق بجامعة فاروق و المتهم في الجناية العسكرية قد نزعت أظافره "!
   أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية , تلك التي يقف متهم فيها أمام المحكمة يروي ما نشرته أحدى الصحف اليومية الكبرى في مصر على النحو التالي :
   " ثم جيء بعبد الفتاح ثروت وهو المتهم الثالث في قضية الاعتداء على حامد جودة وأجلسته المحكمة على مقعد .
   " وأجاب بناء على مناقشة الأستاذ حسن عشماوي بأنه لم يعترف بأي شيء في التحقيق , وأن التعذيب جعله فاقد الشعور .
   " و روى بصوت مرتعش ضعيف صنوف التعذيب فقال: إن اللواء طلعت بك هدده بالتشريح إذا لم يعترف , قائلا : أن البلد في أحكام عسكرية .
   واستطرد يقول : وأخلوني إلى الغرفة مع الضابطين العشري وفاروق كمال , وجردوني من ملابسي ونزلوا في ضرب من تسعة مساءا إلى أربعة صباحا .
   وقد قسموا أنفسهم أربع مجموعات كل مجموعة من 12 عسكريا وضابطا : ووضعوا رجلي في الفلكة واستمر الضرب حتى أن الفلكة انكسرت .
   " ثم استعملوا كرابيج الهجانة . ولما أفقت من إغمائي قال لي طلعت بك : هذه هي الجولة الأولى و البقية تأتي .
   " وأخذوني إلى إبراهيم عبد الهادي باشا فقال لي : أنا عندي أمر أموتك . ثم أمر بموالاة تعذيبي .
   " وكان التعذيب على أربع درجات بالضرب بالعصي و الكرابيج ثم الكي بالنيران . واحضروا سيخ حديد محمي , ولكن الضابط محمود طلعت طلب من الضابط أن يكفوا عني قائلا : ده صاحبي و سيعترف بكل شيء .
   " ثم نمت على الأسفلت فكانوا يطرقون الباب حتى يهرب النوم من عيني , وما كانوا في حاجة إلى ذلك لأنني لم أكن أستطيع الرقاد على أي جزء من جسمي المشوي كله .
   " ثم طالبوني بالاعتراف وهددوني إن لم أفعل أن يعتدوا علي اعتداء منكرا , وفعلا تقدم واحد يريد الاعتداء علي , فقلت له : أنا أعرف أنني لا أستطيع مقاومتك وأنت يمكنك أن تفعل معي هذه الجريمة , ويمكنك أن تنجو من عقاب القانون , ولكني أريد أن أقول لك قبل أن تبدأ : أن الله لن يترك هذه الجريمة بلا حساب . فابتعد عني .
   " وظل تعذيبي . وتلفت أعصابي .. وكنت لما أذهب إلى إسماعيل عوض بك أشكو له يضرب الجرس ويأتي الحرس فيقول لهم : هاتوه لي أخرس خالص !
   " وجاءني إبراهيم عبد الهادي باشا 4 مرات وقال لي أنا أبهدلك وأبهدل أهلك وأنا الحاكم العسكري .
   " كما جاء النائب العام محمود منصور باشا فلما تقدمت له شاكيا قال أنا عارف كل حاجة . وتركني .  
   " إن من الغريب حقا أنني حينما حضرت اليوم لأداء الشهادة وجدت بعض رجال البوليس معهودا إليهم المحافظة على الأمن . وكنت أعتقد أنهم الآن أمام المحكمة لمعاقبتهم على ما ارتكبوه من آثام .
   " الرئيس: هل طلبوا منك أقوال معينة ؟
   " نعم . أن أقول أنني أعرف مالك وعاطف وأنني مشترك في الاعتداء على حامد جودة.
   " وما كاد المتهم ينتهي من هذه العبارة حتى ارتجف بدنه وحملق في الهواء وأصيب بنوبة عصبية إغمائية . وجعل يرسل شهيقا عصبيا مؤلما أبكى معظم الحاضرين في القاعة .
   " وبادر رجال البوليس برش الماء على وجهه كما خف إليه طبيب من الموجودين وحملوه إلى الخارج .
   " وطلب الأستاذ مختار عبد العليم إثبات ذلك في محضر الجلسة فوافقت المحكمة , وأضاف الرئيس أن يثبت أيضا أن النوبة طالت مدة طويلة " !
   فإذا كان هذا كله , وكثير غيره مما ترويه قصة كل منهم سياسي في تاريخ مصر الحديث قد وقع , فهل الديمقراطية الدستورية البرلمانية هي التي أنتجته , وهي المسئولة عنه , وهي التي يجب أن تُقْصى عن الحكم , لأنه في ظلها ترتكب هذه المنكرات كما يقال : أنها ارتكبت وترتكب في العصور المظلمة وفي البلاد المعاصرة باسم الإسلام ؟
    إن المرجع في الحكم على نظام ما يجب أن يكون هو قواعده وأصوله . فأما حين تخالف هذه القواعد والأصول , بسبب الجهل أو الانحطاط , أو أية عوامل أخرى , فالذي يجب أن يقوله المخلصون للحق في هذه الحالة : أن الأصول و الدعوة إلى هذه الرجعة تكون أذن قوية لأنها ترتكن إلى أصول معترف به , ولكنه مهمل في التطبيق .
   لقد كان إقصاء الإسلام عن الحكم يكون مقبولا , لو كان الخائفون من الاستبداد , يقولون أن طبيعة الإسلام تدعو إلى الاستبداد من الحاكم , أو تدعوا المحكومين إلى الرضى و الخنوع !
   ولكن الإسلام هو الدين الذي قرر للمجتمع نظاما لا سيد فيه و مسود , ولا أشراف فيه ولا عبيد ـ نظاما يجعل أبا بكر وعمر ــ أكبر صاحبين لرسول الإسلام ــ تحت إمرة مولى من الموالي وقيادته , فلا يرى أحد في هذا شيئا ولا يريان . نظاما يدع ابن الرجل من عامة الشعب في مصر يضرب " ابن الأكرمين " , وابن حاكم مصر عمرو بن العاص , بأمر الخليفة وأمام الجموع . نظاما ينذر من يقبلون الاستضعاف و الذل بالعذاب الأليم :" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " ويحرضهم على القتال لحقهم :" ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد " وينذرهم لو سكتوا عن الحاكم الظالم فلم يغيروا عليه : " من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله , ناكثا لعهد الله , مخالفا لسنة رسول الله , يعمل في عباد الله بالإثم و العدوان , فلم يغير عليه بفعل ولا قول , كان على الله أن يدخله مدخله ".
   أ فهذا هو النظام الذي يشفق المشفقون أن يؤدي إلى استبداد الحاكم واستسلام المحكومين ؟ أم هو التمحل و التضليل ؟
   بقى الخوف من ضيق آفاق القائمين على الحكم الإسلامي وجمود تفكيرهم . وما أحسب هذه الصورة قامت في أذهان هؤلاء الرفاق , إلا من اقتران حكم الإسلام بعمائم الشيوخ ومسابح الدراويش !
   فإذا تبين أن هؤلاء لن يكونوا أسناد حكم الإسلام في مصر , بل طُرَدَاءه ما لم يغيروا ما بأنفسهم , ويعملوا عملا منتجا غير مجرد الصلوات و الأذكار و التراتيل . إذا تبين هذا فيجب أن تُخْفَي هذه الصورة النكدة لحكم الإسلام , ما لم تكن التهمة موجهة لمبادئ الإسلام في ذاتها لا للمشايخ و الدراويش .
   إن أحد لم يجرؤ إلى اليوم أن يتهم هذا الدين ذاته بضيق الأفق أو الجمود , وهو يعرف عنه شيئا يسمح له بالحديث في الموضوع . فأما الذين يخوضون فيما لا يعرفون , فهم لا يستحقون الاحترام , لأنهم لا يحترمون أبسط قواعد الجدل و الحديث .
   إن هذا الدين لا يدخل نفسه أبدا في الشؤون العلمية البحتة , ولا العلوم التطبيقية المحضة , باعتبارها من أمور الدنيا . "أنتم اعرف بأمور دنياكم" قاعدة أساسية فيه . وعندئذ يخرج نفسه نهائيا من الميدان الذي حشرت الكنيسة نفسها فيه في القرون الوسطى , فحرقت العلماء وسجنتهم لأنهم يتحدثون في العلم , وهي تحشر نفسها فيه !
   فأما شؤون الاجتماع وشؤون العبادات , وسائر ما يتعلق بروح الإنسان وفكره , فكل ما لم يحلل حراما منصوصا عليه نصا صريحا , أو يحرم حلالا منصوصا عليه نصا صريحا , فهو رأي يحتمل الصواب و الخطأ , ويُجَادَل صاحبه بالحسنى , و يحميه الإسلام أن يصيبه الأذى , إلا أن يكون كفرا صراحا بواحا , لا يحتمل الشك ولا التأويل .
    فأما الحدود الإسلامية فتلك شيء آخر . شيء يدخل في دائرة الجرائم الاجتماعية التي تصان بها حرمة المجتمع وكرامته ومصلحته . فإذا خطر لأحد أن يرميها بالقسوة , وأن يتحدث عنها باسم المدنية و الهمجية فذلك شأن آخر . لنا فيه حديث .
   إن هذه الحدود كقطع يد السارق , ورجم الزاني المحصن أو جلده , وجلد غير المحصن , وجلد السكير .. وقد تبدو قاسية عند النظرة الأولى وعند من لم يدرس فكرة هذا الدين الكلية وقواعده العامة جملة .
   إن الإسلام لا يقيم هذه الحدود على مرتكبي تلك الجرائم إلا بعد أن لا يكون لهم عذر في ارتكابها ولا شبهة في وقوعها .
   إنه يقطع يد السارق الذي لم يسرق اضطرارا ليطعم نفسه أو أهله , فإذا كانت هنالك مبررات اجتماعية أو فردية تضطر إلى هذه الفعلة فلا عقوبة , بل ربما عاد بالعقوبة على من دفع المجرم إلى ارتكاب جريمته ! وهكذا فعل عمر مع غلمان سرقوا ناقة . فلما علم أنهم سرقوا لأن سيدهم لا يعطيهم الكفاية من الطعام , أطلقهم وغرم السيد ثمن هذه الناقة ضعفين . ولما كان الجوع في عام الرمادة عطل حد السرقة .
   وأنه يرجم الزاني الذي يضبطه الشهود في حالة تلبس كامل أو يجلده , في الوقت الذي لا يبيح لأحد أن يتسور على أحد داره أو يتجسس عليه . فالزاني الذي يضبطه الشهود إذن لا يرتكب هذه الفاحشة في خفية , بل في مكان يستطيع الشهود أن يضبطوه فيه , فهو إذن مجرم فاحش متبجح , ينشر الفاحشة ويشيعها , و الله يكره هذا ويمقته :" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ " .
   فأما الذين يرتكبون هذه الفاحشة متسترين , ثم يعترفون طلبا للتكفير , فالإسلام يرأف بهم رأفة شديدة , ويحاول أن يتلمس لهم الشبهات , كي يعفي هذه الضمائر المتحرجة المتطهرة من العقاب .
   و الذي يرجح أن هذه العقوبة مراعي في تشديدها , فكرة نشر الفاحشة , أن عقوبة الجلد , توقع على فريق آخر : فريق الذين يشيعون الفاحشة بنشر الإشاعات والأراجيف حول أعراض المؤمنات الطاهرات :" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".
   كذلك الحال في حد شارب الخمر . فهو يجلد إذا ضبط شاربا . فإذا كان في خفية , لم يره أحد , فليس لأحد أن يتسور عليه بيته أو يتجسس . فأما ذلك المستهتر الذي يجهر بالمعصية , فمن حق المجتمع أن يقي نفسه من نشر المثل السيئ في جوانبه , ومن حقه إذن أن يعاقبه . فأما من يتستر ولا يتبجح فذلك حسابه مع ضميره ومع خالقه . وتلك مسألة أخرى , يتولاها الإسلام بإيقاظ الضمير لا بالعقوبة .
   ونستعير هنا رأيا للأستاذ محمد قطب سجله في كتابه : "الإنسان بين المادية و الإسلام " عن العقوبات الإسلامية , خلاصته : إن الإسلام يمنع أولا كل الأسباب التي تضطر الفرد إلى ارتكاب الجريمة , ويعالج علاج وقاية قبل وقوعها , وبذلك لا يبقى لمرتكبها عذر في ارتكابها , إلا متبجحا مستهترا مختارا , وحينئذ لا تكون العقوبة قاسية مهما بدت قاسية , لأن الإسلام لا يلتمس الأسباب ولا يتربص الدوائر بل يقي . فإذا لم تنفع الوقاية , فالعلاج إذن ضروري لا محالة (1) .
   ذلك واضح . فأما الذين في قلوبهم مرض , فيعدون هذه الاحتياطات في حدود الإسلام دلالة على عدم جديتها ! وهي جهالة تافهة , تأخذ الأشياء من سطوحها في عجلة مستهترة تنافي كرامة العلم , ووقار البحث , و الجد الضروري في تناول مثل هذه الأمور .
   ... وبعد ! فليطمأن المخلصون من المفكرين و رجال الفنون ومن إليهم أن حكم الإسلام لن يسلمهم إلى المشانق و السجون ! ولن يكبت أفكارهم , ويحطم أقلامهم , وينبذهم من حمايته و رعايته , ولا يأخذوا الصيحات التافهة التي يصيحها اليوم رجال الدين المحترفون في وجه بعض الكتب و بعض الأفكار حجة !! فإنما هذه الصيحات تجارة رابحة اليوم , وحرفة كاسبة , لأنهم يعيشون في عهد الإقطاع الذي يقيمهم حراسا لمظالمه وجرائمه , ولكي يبرروا وجودهم في أعين الجماهير يطلقون هذه الصيحات الفارغة بين الحين و الحين .
   فأما حين يكون الحكم للإسلام , فلن يبقى لهؤلاء عمل , فسيكونون يومئذ مجندين لعمل منتج نافع , هم وبقية المتعطلين المتسكعين من كبار الملاك ورجال الأموال , ومن الموظفين و المستخدمين في الدواوين , و من أحلاس المقاهي و المواخير و الحانات , و من المشردين في الشوارع و الطرقات , أو المصطلين للشمس حول الأجران .. وكلهم في التبطل و التسكع سواء . بعضهم كاره مضطر , و بعضهم كسول خامل , و بعضهم مستغل مستهتر .
   وحين تندفع الجموع في تيار العمل النشيط , لن تكون هناك جرائم تقام عليها الحدود إلا في القليل النادر , وفي حالات الشذوذ , الذي لا بد منه في المجتمعات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)             يراجع فصل الجريمة و العقاب في كتاب "الإنسان بين المادية و الإسلام"

شبهات حول حكم الإسلام


سيد قطب
شبهات حول حكم الإسلام
حكم المشايخ و الدراويش
   هنالك آخرون يتصورون أن حكم الإسلام , معناه حكم المشايخ و الدراويش ! من أين جاءوا بهذا التصور ؟! من الثقافة السطحية الناقصة , ومن ملابسات الواقع في هذا الجيل .. فأما الإسلام الحقيقي الصحيح , فلا يعرف هذا الوضع , لا في أصوله النظرية , ولا في واقعه التاريخي .
   حتى تلك الأزياء الخاصة للمشايخ و الدراويش .. إنها ليست شيئا في الدين , فليس هناك زي إسلامي و زي غير إسلامي , والإسلام لم يعين للناس لباسا , فاللباس مسألة إقليمية , ومجرد عادة تاريخية . ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لم يلبس جبة و قفطانا , أو قفطانا و " كاكولة " وإنما لبس ثيابه العربية التي كان يلبسها قومه وجيله . كذلك لبس المسلمون في فارس ثيابهم الفارسية , و المسلمون في مصر ثيابهم المصرية .
   وعلام يتميز بعض المسلمين من بعض بلباس ؟ وليس في الإسلام رجال دين , و لا هيئة "إكليروس" ولا تقام الطقوس الدينية إلا بواسطتها . و التفقه في الدين اجتهاد كالتفقه في الطب و الهندسة  و التجارة وسائر المعارف الإنسانية الأخرى .
   نعم قد توجد مناصب رسمية كمناصب القضاء , و لكن الإسلام لا يعرف أن هناك قاضيا للأحوال الشخصية يحكم بالقانون الإسلامي  , وقاضيا للعقوبات و المدنيات يحكم بقانون غيره . الإسلام لا يعرف إلا شريعة واحدة تنظم العقوبات و الشئون المدنية , كما تنظم أحوال الزواج و الطلاق و الميراث , وتخضع الجميع لفكرة كلية واحدة تصدر عنها هذه التفريعات في شتى نواحي النشاط الإنساني . و الذي يتولى القضاء في هذه النواحي جميعا أو في ناحية واحدة منها ـــ حسب تخصيص الدولة له ـــ إنما يتولاه باسم تفقهه في الشريعة كلها أو بعضها . كما يتولى الطبيب عمله لتعلمه الطب العام أو التخصيص في فرع منه .. و القاضي ليس رجل دين في الإسلام . إنما هو مسلم حذق فرعا من فروع المعرفة , فأسند إليه العمل الذي يحسنه . ولكل أمريء ما يحسنه في الحياة .
   و الخدمة الدينية ــ كمجرد إمامة الصلاة ــ ليست عملا يأجر الإسلام من يقوم به من بيت مال المسلمين ! ما لم تكن لهذا الإمام وظيفة أخرى يؤديها . كإلقاء دروس في المسجد , أو القيام بإدارته من الناحية النظامية لا التعبدية . فإمامة المصليين ليست وقفا على شخص من المصليين . إنما يؤمهم أفضل الموجودين , وتصح صلاتهم  جماعة أو فرادى إلا صلاة الجمعة خاصة , ومن هذا البيان يتضح أن ليس في الإسلام "رجال دين" يخشى أن يتولوا الحكم إذا صار الحكم إلى الإسلام .
   ذلك من الوجهة النظرية , فأما من وجهة الواقع التاريخي في الإسلام فإن حذق الفقه الإسلامي لم يكن بذاته مرشحا للحكم , وتولى الأعمال في القيادة والإدارة وما إليها , حتى في أزهى عصور الحكم الإسلامي الكامل . إنما كان الحذق في كل حرفة هو المؤهل لها دون نظر إلى درجة الفقه الديني لصاحبها , ولا حتى الميزة الكبرى التي يعتبرها الإسلام أساسا للتفاضل بين الناس , وهي التقوى .
   كتب أبو بكر أعرف أصحاب رسول الله بروح الإسلام , إلى أبي عبيدة بن الجراح , الذي كان يلقبه رسول الله " أمين الأمة" يقول :
"بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله بن أبي قحافة إلى عبيدة بن الجراح . سلام الله عليك . أما بعد , فقد وليت خالدا قتال العدو في الشام , فلا تخالفه واسمع له وأطع , فإني وليته عليك وأنا أعلم أنك خير منه و أفضل دينا . ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك . أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد ".
   فالذين يخشون ــ لو حكم الإسلام ــ أن يبصروا فيروا على رأس الجيش مثلا في المعركة , أو في مصلحة الكيمياء أو الطب الشرعي , أو في وزارة الأشغال أو المالية , شيخا مطمطما , أو درويشا معمما لمجرد أنه قرأ كتب الفقه و السنة , أو حفظ المتون و الحواشي والشروح , أو أتقن التراتيل الدينية ودلائل الخيرات ..
أولئك فليطمئنوا . فواقع الإسلام التاريخي , كأصوله النظرية , لا يعترف إلا بالكفاية الخاصة في العمل الخاص . ولكل وجهة هو موليها .
   إن حكم الإسلام لا يتحقق لأن في الحكم طائفة دينية ــ وليس في الإسلام كما ترى طائفة دينية ــ إنما يتحقق لأن القانون الإسلامي ينفذ , ولأن فكرة الإسلام تحكم , ولأن مبادئه ونظمه تحدد نوع الحكومة , وشكل المجتمع . وهذا كل ما هناك .
   فأما نوع الحكم الذي يحتمه الإسلام فهو الحكم الشوري . و القرآن ينص على هذا نصا: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " و النبي صلى الله عليه و سلم يقول : "لو كنت مؤمراً أحد دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد " فيقرر مبدأ الشورى في الحكم و الإدارة تقريرا صريحا . لأنه وهو النبي لا يملك أن يؤمر أحدا دون مشورة المؤمنين .
    فأما طريقة الشورى فلم يحددها الإسلام تحديدا معينا , لأنها مسألة نظامية ترجع إلى حاجات كل عصر , و وسائله وإمكانياته في تحقيق المبدأ , في كل مكان وفي كل زمان .
   فحين كان أهل الرأي الذي يمثل  الشعب كله مجتمعين في المدينة حول النبي ــ وهم الصحابة ــ كان النبي يستشيرهم فيما لا وحي فيه ولا نص بطبيعة الحال ـ ويترك لهم حرية القول و التصرف في شؤونهم  الدنيوية , لأنهم أخبر بها . ومعنى دنيوية هنا أنها لا تتعلق بحكم شرعي أو اجتماعي , وإنما تمثل الخبرات العملية , كفنون القتال , وزراعة الأرض , و حماية الثمار , و ما إليها . و هي ما نستطيع أن نسميه في عصرنا الحاضر الشؤون العلمية البحتة و الشؤون العملية التطبيقية .
   فأما الشؤون التشريعية الخاصة بالإنسان : روحه و عقله , و علاقاته بالناس و علاقات الناس به , و الحدود بين حقه و واجبه .. الخ , فتلك مسائل يرجع فيها إلى النصوص و القياس , أي إلى القوانين الإسلامية المحددة , أو المبادئ العامة و الفكرة الكلية . وما يتفق معها فهو منها .
   وقد ظلت الشورى مقصورة على المدينة , ما ظلت المدينة تمثل أهل الرأي , فلما تغير الوضع شيئا توسع الخليفة الأول أبو بكر فاستشار أهل مكة في حرب الشام . إذ كانت المسألة عملية حربية خارج الحدود العربية كلها , تعود آثارها على من في مكة كما تعود على من في المدينة .
  فإذا انتهينا في هذا العصر إلى أن يصبح رأي الجماهير لا يمثله من يقيمون في القاهرة  وحدها , ولا الإسكندرية , ولا أية مدينة من المدن , فالطريقة أذن أن نستشير الجميع بالطريقة التي تكفل الحصول على آراء الجميع .. وهي مسألة نظامية تتعلق بالتنفيذ . وأما المبدأ فهو مقرر في الإسلام تقريرا أصيلا واضحا . كل ما يحتمه الإسلام هو إزالة القيود التي تجعل الانتخابات غير ممثل لحقيقة الرأي في الأمة . فلا يكون الناخب تحت رحمة صاحب الأرض أو صاحب العمل أو صاحب السلطان , كما هو واقع الآن .
   والحاكم في الإسلام يتلقى الحكم من مصدر واحد هو إرادة المحكومين . فالبيعة الاختيارية هي الطريق الوحيد لتلقي الحكم . والواقع التاريخي قام على هذا المبدأ . فخلافة أبي بكر وعمر و عثمان و علي قامت على أساس الاختيار المطلق . ولا يتعارض هذا مع وصية عمر أن تكون في واحد من ستة فقد كانت هذه نصيحة للمسلمين , و لم تكن أمرا واجب الطاعة .. ولو اختار المسلمون واحدا من غير الستة لاختاروا . و لكن هؤلاء كانوا بالإجماع أصلح الجميع , فاختاروا واحد منهم برضاهم وإذنهم , لا بأمر عمر ووصايته .
    ولما عدل بنو أمية عن هذه القاعدة الإسلامية الأساسية في الحكم , رده إليها الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز . رده إلى الأمة التي يجب أن تختار حكامها حرة طائعة مختارة .
صعد المنبر فقال :
" أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه , ولا طلبة له , ولا مشورة من المسلمين  . وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي . فاختاروا لأنفسكم ".
فقال الناس : قد اخترناك يا أمير المؤمنين , و رضيناك . فل الأمر باليمن و البركة .
   وبذلك رد الأمر إلى نصابه في ولاية الأمر . فلا ولاية بغير شورى ورضى و قبول.
   والحاكم الإسلامي يتلقى طاعته بعد توليته من قيامه على تنفيذ الشريعة الإسلامية , لا من أي اعتبار آخر . وذلك عهده مع المحكومين . فإذا لم ينفذ الشريعة فقد سقطت طاعته عليهم . ويقول صاحب هذا الدين : "اسمعوا وأطيعوا , وإن استعمل عليكم عبدا حبشي كأن رأسه زبيبة ـ ما أقام فيكم كتاب الله تعالى " و واضح من الحديث توقيت السمع و الطاعة بإقامة كتاب الله تعالى , فليست هي الطاعة المطلقة لإرادة الحاكم , وليست هي الطاعة الدائمة ولو ترك شريعة الله ورسوله .
   بهذا وحده يقوم الحكم الإسلامي , لا بوجود طائفة معينة في الحكم من المشايخ و الدراويش كما يتصور الكثيرون .
    ذلك كذلك من ناحية الأسس الدينية  .. ثم أحب بعدها أن أطمأن الخائفين من حكم الإسلام أن يجيئهم بالمهابيل و الدراويش في الدواوين أحب أن أطمئنهم إلى أن نوعا من أنواع الحكم لن يطارد هؤلاء كما يطاردهم الإسلام !
   إن حكم الإسلام يعد هذه الطوائف ــ في أوضاعها الحالية ــ متبطلة متعطلة , لا تنتج شيئا وهي قادرة على الإنتاج . فسيجند هذه الجموع للعمل المنتج , لتأتي للأمة بشيء يعينها على الحياة .
   إن حكم الإسلام لن يدع الدراويش يتدروشون , ولا مشايخ الطرق يعيشون على النذور .. إن الإسلام يطلب إلى كل فرد أن يعمل عملا ليأجره عليه أجرا . فلا أجر بلا جهد , ولا جزاء بلا عمل . و الصلوات و الدعوات عبادة شخصية وليست عملا اجتماعيا , أما إقامة الأذكار وتلاوة الأوراد , فتلك أشياء تعرفها عصور التبطل , ولا تعرفها عصور الحياة والنشاط .
   إن العهود الإقطاعية هي التي ترزق المشايخ المتبطلين , و الدراويش المهبولين , وتخلع عليهم وتعترف بوجودهم . . لأن هذه كلها أجهزة لتخدير الجماهير عما هي فيه من حرمان وشقاء . فأما حكم الإسلام الذي يكافح الإقطاع , ويرد عن الناس الاستغلال , فليس في حاجة إلى هذه الأجهزة . فسيوجه هذه الجموع المتعطلة المتبطلة لتعمل , وسيهيئ لها مرافق العمل , لأنه سيعمل للجميع , وسيأخذ من القادر للعاجز , وسيجمع من الضرائب وغير الضرائب ما يحتاج إليه المجتمع بلا تحرج من مس الأغنياء إلا بقفاز الحرير , وسينفق ما يجمعه لمصلحة المجتمع كله لا لحساب المحظوظين دون المنبوذين .
   وعندئذ لن يكون المشايخ المتعطلون , و الدراويش المتبطلون , هم سادة عهده , بل سيكونون طريديه , إن لم يغيروا ما بأنفسهم ويبدلوا وسائل كسبهم , ويعملوا مع العاملين في حقل الإنتاج المثمر , حقل الحياة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " نحو مجتمع إسلامي " بحث يتضمن صورة شاملة للمقومات الأصلية لهذا المجتمع . أرجو أن ينشر قريبا بعون الله .




لابد للإسلام أن يحكم


سيد قطب
لابد للإسلام أن يحكم
   إذا أريد للإسلام أن يعمل , فلابد للإسلام أن يحكم . فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد , أو يستكين في القلوب والضمائر , إنما جاء ليحكم الحياة , لا بالوعظ والإرشاد , بل كذلك بالتشريع و التنظيم . جاء ليترجم مبادئه ونظرياته , نظاما وحياة ويجعل أوامره ونواهيه مجتمعا حيا وناسا من اللحم و الدم , يدبون على هذه الأرض , ويمثلون بسلوكهم ونظام حياتهم , وعلاقات مجتمعهم , وشكل حكمهم . . . مبادئ هذا الدين وأفكاره وقوانينه وتشريعاته .
   ومما سبق عرضه من مشكلات اجتماعية وقومية , وطريقة علاج الإسلام لها , يتبين بما لا لبس فيه ضرورة الحكم للإسلام . وإلا فكيف يواجه هذه المشكلات وسواها , وكيف يعالجها ويجد لها حلول ؟
   أنه لا يملك توزيع الثروة طبقا لحاجات المجتمع , أو تحقيق العدالة بين الجهد و الجزاء , أو منح الجميع فرصا متكافئة في الحياة , أو تجنيد القوى المعطلة للعمل والإنتاج , أو دفع الدولة إلى اتخاذ موقف معين في المجتمع الدولي , أو تجنيد الجيوش وإعداد القوى . . . أو . . . أو . . . مما يمثل مبادئه الأساسية التي يقوم عليها كيانه ذاته في فكرته التي جاء ليصوغ منها الحياة . . . أنه لا يملك شيئا من هذا كله وهو عقيدة مستترة في الضمير , أو صلاة خاشعة في المسجد , أو مناجاة بين العبد ومولاه .
   والذين يتحدثون عن الإسلام وانتفاء حاجته إلى الحكم , أو عن إمكان تحققه في الحياة دون تحكيمه في الحياة .. إنما يلقون حديثا فيه من التفاهة والقزامة ما لا يرتفع إلى شرف المناقشة واحترام الجدل ! إنهم لا يدلون بهذا على جهلهم لطبيعة هذا الدين من أساسها , ولا بعدهم عن الإلمام بحقائقه البسيطة التي لا يلام على جهلها المبتدئون , بل يدلون على جهل بكل مقومات الطبيعة البشرية , وكل العوامل المؤثرة في تكوين المجتمعات , وكل الثقافات الضرورية لاستقبال الحياة , بل الحكم على الحياة !
   ولكن القزامة والتفاهة الفاشية عند الكثيرين في هذا الجيل , وسطحية التفكير وضحالة الثقافة , تقبل هذا الكلام أحيانا , حتى ليردده وزراء في الحكم , لا يخجلون أن يطلع الناس في مصر وفي غير مصر على مدى ما يتمتعون به من سذاجة وغفلة , ومن سطحية وبعد عن الثقافة ـ وهم الذين يدعون لأنفسهم أو يدعوهم الناس "مثقفين"!
في العالم المسيحي الغربي يدخل الفرد إلى الكنيسة فيستمع إلى المواعظ والتراتيل , وقد يخشع قلبه , وهو ينصت إلى صوت الواعظ المؤثر , وإلى الموسيقى المنبعثة من الجوقة , والتراتيل الخاشعة , والأبخرة الأريجة العطرة ...
   ولكنه حين يغادر الكنيسة يجد قانونا آخر يحكم الحياة الواقعة ويصرفها , ويجد مجتمعا يقوم على أساس هذا القانون , الذي لا علاقة بين روحه و روح المسيحية .
   وكثيرًا ما ذهبت إلى هذه الكنائس ، واستمعت إلى الواعظ في الكنيسة , وإلى الموسيقى والتراتيل والأدعية , وكثيرا ما استمعت إلى إذاعة الآباء في محطات الإذاعة في الأعياد المسيحية .. دائما يحاول الآباء أن يعقدوا الصلة بين قلب الفرد و بين الله ، ولكن واحدًا منهم لم أسمعه يقول : كيف يمكن أن تكون مسيحيا في واقع الحياة اليومية ، ذلك أن المسيحية إنما هي مجرد دعوة للتطهر الروحي ، ولم تتضمن تشريعا للحياة الواقعية بل تركت ذلك لقيصر .
   وكان من أثر هذا كله في العالم المسيحي أن أصبحت المسيحية في جانب و الحياة الواقعة في جانب , وعلى توالي الأزمان أصبحت المسيحية محصورة داخل الكنيسة , والحياة من حولها أبعد ما تكون عن روحها السمحة المتطهرة . فلما نشطت الكنيسة في السنوات الأخيرة للاتصال بالمجتمع من جديد , لم يكن همها أن ترفع الناس إليها , بل كانت طريقها أن تهبط هي إلى الناس . وإذا قلت تهبط , فلست أعني أنها تتبسط وتواجه الحياة بحلول عملية , إنما أعني تملق شهواتهم و رغباتهم , وتتغاضى عن لذائذهم  الهابطة ونزواتهم الجامحة , لتضمن ألا يعيد المجتمع نبذها , كما نبذها في مطلع النهضة و الإحياء .
   نحن ببلاهة غبية , وسطحية تافهة قد حاولنا بالإسلام هذه المحاولة , لا لأن الإسلام لم يتضمن التشريعات التي تحكم الحياة وتصرفها , بل لأننا بشعور العبيد و على طريقة القرود , قد أردنا أن نجعل مصر قطعة من أوربا , ولما كانت أوربا تحكمها القوانين المدنية لا الدينية , فقد فعلناها نحن أيضا ! دون فطنة إلى أن أوربا لم يكن لها مفر من ذلك , لأنها لم تجد في المسيحية تشريعا للحياة , وإنما وجدتها مجرد عقيدة روحية وصلاة !
   لقد فطن الإسلام إلى أن العقيدة لا يمكن أن تتحقق بذاتها في واقع الحياة ما لم تتمثل في نظام اجتماعي معين , وتتحول إلى تشريعات تحكم الحياة , وتكيف علاقاتها الواقعية المتجددة . ولكننا نحن بحماقة غبية لم نفطن إلى هذا الذي فطن إليه الإسلام , وصاغ نفسه على أساسه : عقيدة تتمثل في شريعة , وشريعة هي تفسير وتحقيق لهذه العقيدة , و وحدة شعورية تشريعية , تتألف منها حياة واقعة , ممثلة في العقيدة و السلوك , وفي العبادات و المعاملات , وفي السرائر و الجوارح , وفي الأفراد و الجماعات .
   لقد سمعنا الأوربيين يقولون : أن الدين علاقة ما بين الفرد و ربه , وليس له أن يتدخل في الحياة المدنية .. فرددنا كالببغاوات الفارغة الدماغ هذا الذي سمعناه !
   نعم ! الدين علاقة ما بين الفرد وربه في المسيحية , ولأوروبا عذرها في هذا , لأن دينها لم يبين لها كيف يتدخل في الحياة المدنية , وحين تدخل آباء الكنيسة في تلك الحياة تدخلوا لصالح أنفسهم , وبوحي من المصالح , لا بوحي من المسيحية التي لم تتضمن شيئا عن الحياة المدنية , فلما ثقلت وطأة الكنيسة ورجالها على الناس , وتحولت إلى سلطة ديكتاتورية , وتتخذ من الدين ستارا لمطامعها الدنيوية .. نفض الناس هذا السلطان عن رقابهم , و وقفوا الكنيسة و رجالها عند حدهم الذي جعلته لهم الديانة ذاتها , أي عند أعتاب الكنيسة .
   فأما الإسلام فقد أنشأ مجتمعا محكوما بشرائعه , التي يمكن الرجوع إليها هي ذاتها لوقف كل طغيان لمن قد يسمون أنفسهم "رجال الدين" حين يتشبهون برجال الكنيسة , ويحاولون اكتساب سلطة دينية !
   ومع وضوح هذه الحقائق , وبساطتها , نجد في جيل الأقزام الذي نعيش فيه من يحاول أن يبدو للناس مثقفا جدا ! فينعق بفصل الدولة عن الدين ! لأن الدين يجب أن يتدبر شؤون الروح , ويدع الحياة للقوانين الأرضية !
   وفي فترات الانحطاط تبدو في الشعوب العريقة قزامة عجيبة وضآلة . وينفش البغاث الصغير ريشه و يختال . ولكن عهد الأقزام في مصر قصير الأجل مشرف على الزوال !
***
   إنني مؤمن كل الإيمان بأن لا نجاة لهذه الأمة ولا حياة إلا أن تعود إلى عقيدة ضخمة , تنفض عنها قزامة الجيل وتفاهته , وتملأ حياتها حركة و حيوية واقتحاما .
    وهذه العقيدة الضخمة اليوم ليست شيئا بالقياس إلى مصر إلا الإسلام .    
   إن العقيدة الوطنية وحدها لم تعد تكفي , بدليل أنها لا تستطيع أن تقاوم العقيدة الشيوعية في كثير من أقطار الأرض . ذلك أن فكرة العدالة الاجتماعية بين الأفراد في حياة المجتمع , أخذت تطغى بقوة على النعرة الوطنية في أوطان تقسم أهلها إلى عبيد وأسياد .
   والإسلام وحده القادر على تحقيق الفكرتين جميعا , بلا تعارض ولا تصادم ولا مغالاة : فكرة تحقيق الوطن الإسلامي الكبير حيثما مد الإسلام ظله . وفكرة العدالة الاجتماعية الكاملة في هذا الوطن الكبير .
   والإسلام لا يحقق هذه العدالة الاجتماعية الكاملة في ذلك الوطن الكبير للمسلمين من أهله وحدهم بل يحققها كذلك لجميع سكانه على اختلاف الأديان والأجناس واللغات والألوان .. وتلك مزيته الإنسانية الكبرى التي لا تحققها عقيدة أخرى .
   ولكن ينبغي أن نكرر دائما أن هذا كله لا يتحقق بمجرد أن يذهب الناس إلى المساجد , ويحتفلوا بالمولد النبوي الشريف , ويلقوا الخطب في مدح سيد المرسلين ! ولا بأن تعج الأرض بالمجاذيب و الدراويش , يتلون الأدعية , ويقيمون الأذكار , ويحملون المسابح , ويتمتمون أو يهدرون !
   ولا يتحقق بأن تكون لنا "هيئة كبار علماء" تصدر قرارات الحرمان , ثم تعود فتصدر صكوك الغفران , لتغير الظروف و الملابسات , أو تصدر الفتاوى في تخطئة أبي ذر لأنه طالب بالعدالة الاجتماعية للفقراء , أو لترفع العرائض الإنشائية , تتضمن الوعظ الشريف , و رثاء الأخلاق التي انحلت في هذا الزمان !
    إن شيئا من هذا كله لن يجدي شيئا , إنما الذي يجدي وحده أن يَحكم الإسلام الحياة ويصرفها . أن تُحكم الدولة حُكما إسلاميا . أن تستمد القوانين التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض , وعلاقاتهم بالحكومة وعلاقات الحكومة بهم من الشريعة الإسلامية وليس قانون الأحوال الشخصية وحده بل قانون العقوبات و القانون المدني و التجاري و سائر القوانين و التشريعات التي تُكيف صورة المجتمع وتمنحه شكله ونظامه الخاص .
   إن دستور الدولة الحاضر ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام . وليس لهذا من معنى إلا أن تستمد القوانين كلها من الشريعة الإسلامية , والشريعة الإسلامية قادرة على تلبية الحياة العصرية , ونموها وتجددها . مع الانتفاع بتجاربنا نحن وبتجارب الإنسانية كلها فيما يتفق مع فكرة الإسلام الكلية ومبادئه العليا عن الحياة .
   لست أزعم أن الفقه الإسلامي الحاضر قادر اللحظة على الإحاطة بكل مطالب الحياة العصرية الجزئية , فقد وقف نمو هذا الفقه حقبة من الدهر طويلة . ولكن أصول الشريعة الإسلامية بما فيها من مرونة وشمول قادرة على أن تلبي حاجات الحياة ـ على النحو الذي أوضحته في مشكلاتنا الكبرى ـ وتبقى صياغة المواد القانونية , المستمدة من الأصول العامة , حسب الحاجات المتجددة أبدا (2)
   و لقد يخطر لبعضهم أن يقول : وعلام هذا العناء ؟ وما لنا لا ندع هذه الشريعة جملة ونستمد تشريعاتنا من تلك التجارب الجاهزة التي انتهت إليها البشرية أخيرا ؟
   وهي قولة من استمرأ الاستعارة الجاهزة حتى فقد كل شعوره بشخصيته و بقوميته , وبتاريخه الحي الذي يعيش في كيانه . وقوله السطحي الذي لا يدرك كيف تتم الاستجابات بين الفرد والبيئة , وأخيرا فهي قولة الذي لا يعرف من أين تستمد الأمم عناصر البقاء و المقاومة في معترك الحياة .
   إن الطريق الذي ندعو إليه نحن هو الطريق الذي يضمن لروح هذه الأمة أن تستشرف , وتتطلع إلى حياة كريمة عزيزة , والذي يمكنها أن تتحقق للكتلة الإسلامية البروز  و التميز بين الكتلتين الشرقية و الغربية , البروز بمجتمع خاص له سماته الواضحة , وله شخصيته المستقلة . و ذو الرصيد الأصيل إنما يزيد رصيده وينمو بما يقع له من زيادات وعلاوات . فأما المفلس المستجدي فلن يكون يوما ذا رصيد قائم , وإن ظل حياته يسأل و يستجدي !
***
    لابد للإسلام أن يحكم ليحقق وجوده , وليحقق ذلك المجتمع الكامل العادل الذي رسمنا الكثير من خطوطه . وما كان شيء من ذلك ليتحقق والإسلام بعيد عن الحكم في الحياة .
   لا بد للإسلام أن يحكم ليقدم للإنسانية مجتمعا من طراز آخر , قد تجد فيه الإنسانية حلمها الذي تحاوله الشيوعية , ولكنها تطمسه بوقوفها عند حدود الطعام و الشراب , وتحاوله الاشتراكية ولكن طبيعتها المادية تحرمه الروح و الطلاقة , و الذي حاولته المسيحية ولكنها لن تنظم له الشرائع ولم تضع له القوانين .
   لا بد للإسلام أن يحكم لأنه العقيدة  الوحيدة الإيجابية الإنشائية التي تصوغ من المسيحية و الشيوعية معا مزيجا كاملا , يتضمن أهدافها جميعا , ويزيد عليها التوازن و التناسق والاعتدال .
   و العالم لا يستغني عن عقيدة إيجابية . و المسيحية قد أدت دورها و ولم تعد عاملا إيجابيا في واقع البشرية , فلقد أصبحت الجماهير تقود الكنيسة , و الكنيسة تتبعها بلا توقف ولا تحرج ولا مدافعة حتى عن أقدس أقداسها وأشرف أهدافها في القلب و الضمير !
   وأخيرا يجب أن يحكم الإسلام , لأن الإسلام كان أعرف بطبيعته وطبيعة الحياة وهو يقرر : أن لا إسلام بلا حكم , و لا مسلمين بلا إسلام : " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" صدق الله العظيم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع موضوع الملكية الفردية بتوسع في كتاب " العدالة الاجتماعية في الإسلام " فصل " سياسة المال" .
(2) قام الأستاذ عبد القادر عودة بجهد ضخم رائع في ها المجال في كتابه : " التشريع الجنائي ا"سلامي" في مجلدين نشر احدهما والثاني في الطريق