الاثنين، 18 مارس 2013

السنة في مجال الدعوة والتوجيه


ثانياً
السنة في مجال الدعوة والتوجيه


   السنة النبوية ـ بعد القرآن الكريم ـ هي المورد الذي لا ينضب , والكنز الذي لا ينفد , ليستمد منه الداعية في خطبته إذا خطب , في موعظته إذا وعظ , وفي درسه إذا درس . 
   ففيها من التوجيهات المشرقة , والحجج الدامغة , الحكم البالغة , والكلم الجامعة , والمواعظ المؤثرة , والأمثال المعبرة , والقصص الهادفة , وألوان الأمر والنهي , والوعد والوعيد , والترغيب والترهيب  , ما يلين القلوب الجامدة و ويحرك العزائم الهامدة , وينبه العقول الغافلة , فهي تسير في خط القرآن في مخاطبة كيان الإنسان كله : عقله وقلبه , وهي تعمل على تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة , ذات العقل الذكي والقلب النقي , والجسم القوي .
   وفي كتب السنة ثروة طائلة للداعية الموفق , يتخذ منها زاده , ويملأ منها جعبته , ويتكون منها ـ مع معرفته القرآنية ـ محصوله الأساسي للدعوة والتوجيه .
   وأول ما ينبغي على الداعية أن يعتمد عليه وينهل من معينه , من كتب السنة : الصحيحان : صحيح البخاري ومسلم , واللذان تلقتهما الأمة بالقبول . ولم ينتقد عليهما إلا أحاديث معدودة , يتعلق النقد في جلها بأمور شكلية وفنية .
 ثم عليه أن ينتقي من كتب السنة الأخرى مثل كتب السنن الأربعة , وموطأ مالك ومسند أحمد وسنن الدارمي , وصحيح ابن خزيمة , وابن حبان , ومستدرك الحاكم , ومسانيد أبي يعلي , والبزار , ومعاجم الطبراني , وغيرها ـ ما نص الحفاظ النقاد على صحته أو حسنه من الأحاديث , وألا يعتمد على الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة , التي غدت ـ للأسف الشديد ـ بضاعة كثير من الخطباء والمرشدين الدينيين .
   ومن فضل الله تعالى أن عددا من كتب السنة الأساسية قد خدم وحقق , فظهر (موطأ مالك) و (صحيح مسلم) و (سنن ابن ماجه ) محققة مرقمة مفهرسة من عمل خادم السنة محمد فؤاد عبد الباقي ـ رحمه الله ـ وكذلك ظهر كتاب (سنن أبي داود) و (سنن الترمذي) محققين مرقمين مفهرسين من عمل أخينا الأستاذ الدعاس .
   وأعظم من ذلك : القيام بمهمة التخريج , وبيان درجة الحديث , وتمييز صحيحه من سقيمه . فظهر ابن ماجة , وصحيح الترمذي , وصحيح النسائي للمحدث الشيخ ناصر الدين الألباني(10) ويوشك أن يصدر له صحيح أبي داود , كما يوشك أن تكتمل أجزاء صحيح ابن حبان بتحقيق وتخريج الشيخ شعيب الأرناؤوط(11) , وقبل ذلك ظهر ما عثر عليه من صحيح ابن خزيمة بتحقيق د . محمد مصطفى الأعظمي , وتخريج الألباني .
   وقد ظهر قبل ذلك من مسند أحمد خمسة عشر جزءا بتحقيق وتخريج العلامة أحمد محمد شاكر , وهو قريب من ثلث الكتاب , وقبل ذلك كان الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا قد رتب المسند حسب الموضوعات وشرحه وخرجه في ثلاثة وعشرين مجلدا .
كما أن الشيخ شاكر حاول أن يخرج من تفسير الحافظ ابن كثير منتقى مهذبا مخرجا سماه (عمدة التفسير) ونشر منه خمسة أجزاء , ولكن لم يقدر له إكماله .
وكذلك أخرج هو وشقيقه الأديب المحقق محمود محمد شاكر بضعة عشر جزءا من تفسير الإمام الطبري (ت:310هـ) .محققة مخرجة الأحاديث والآثار , ثم توفى الأخ الأكبر الشيخ أحمد , وأصدر الأستاذ محمود من بعده جزأين , ثم توقف هذا العمل العلمي الكبير .
   وكذلك ظهر كتاب (المصنف) لعبد الرازق الصنعاني(ت:211هـ) في أحد عشر جزءا بتحقيق محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي .
   وكذلك حققت بعض كتب الجميع المهمة مثل :"مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي (ت:737هـ) حققها الأباني , وخرجها بإيجاز . ومثل تمييز (صحيح الجامع الصغير وزيادته) للسيوطي عن (ضعيفه) للألباني .
    ومثل (جامع الأصول) لابن الأثير(ت:606)حققه وخرجه عبد القادر الأرناؤوط.
  ومن قبل ظهر (مجمع الزوائد) لنور الدين الهيثمي(ت:807هـ) وإن لم يكن محققا , وميزته أنه يحكم على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا , وهو يضم : ما زاد على الكتب الستة من أحاديث : مسند أحمد , ومسند البزار , ومسند أبي يعلي , ومعاجم الطبراني الثلاثة .
   ومن الكتب المهمة التي طبعت مرارا , ولكنها لم تحقق وتخرج : مستدرك الحاكم (ت:405هـ) وتلخيصه للذهبي (ت:748هـ) .
  كما حققت وخرجت كتب مهمة مثل :"زاد المعاد) لابن القيم (ت:751هـ) حققه شعيب الأرناؤوط , نشرته (الرسالة ) في خمسة أجزاء , وجزء للفهارس .
   ومثل (رياض الصالحين) للنووي (ت: 676هـ) وهو كتاب مبارك جليل النفع حققه وخرجه كل من الألباني وشعيب الأرناؤوط.
   وهناك تخريجات قديمة يجب الرجوع إليها والاستفادة منها , مثل تخريج زين الدين العراقي (ت:806هـ) لأحاديث (الإحياء) للغزالي (ت:505هـ) الذي سماه المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار) وهو مطبوع بحاشية (الإحياء) ولا يستغنى قاريء الإحياء عن الرجوع إليه , ليعرف درجة الحديث الذي استشهد به الغزالي , فكم فيه من أحاديث شديدة الضعف , وأخرى لا أصل لها , وثالثة محكوم عليها بالوضع ! , ومثل تخريج الحافظ ابن حجر العسقلاني لأحاديث تفسير الكشاف , وهو نافع بالنظر إلى كثير من الأحاديث التي يتداولها المفسرون , ويتناقلها بعضهم عن بعض .
   وهناك (الشروح) للكتب المعروفة ,وأعظمها : فتح الباري في شرح البخاري لابن حجر , وهو الذي قال فيه الشوكاني : لا هجرة بعد الفتح ! .
   وإن كان هناك شروح أخرى سابقة عليه ومعاصرة له , ولاحقة به , ينبغي الاستفادة منها جميعا, مثل شروح : الكرماني (ت:676هـ) والعيني (ت:855هـ) و القسطلاني (ت:923هـ) .
وهناك شروح مسلم , مثل شرح النووي , وشرح عياض والابي والسنوسي . وهناك شروح الموطأ مثل شرح أبي الوليد الباجي (474هـ) (المنتقى ) , وشرح السيوطي (تنوير الحوالك ) .
وشروح أبي داود , ومن أعظمها معالم السنن للإمام الخطابي (ت:388هـ) وتعليق ابن القيم عليه المسمى (تهذيب سنن أبي داود).
   ومن الشروح الحديثة لعلماء الهند (عون المعبود) للديناوي , (بذل المجهود في حل أبي داود) للسهارنفوري (ت:1346هـ) بتعليق شيخ الحديث الكندهلوي , وتقديم السيد أبي الحسن الندوي , و (المنهل العذب المورود) للشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية , وهو شرح حافل ظهر منه عشرة أجزاء , لم يتمه رحمه الله .
   وشروح الترمذي , ومن أعظمها قديما (عارضة الأحوذي) للإمام أبي بكر ابن العربي (ت:543هـ).
  وحديثا (تحفة الأحوذي) للمباركفوري .
   ولم يشرح النسائي , كما شرح أبو داود والترمذي , ولكن توجد عليه حاشية للسيوطي , وأخرى للسندي (ت:1139هـ) . وهما مطبوعتان معه .
   وهناك شروح (مشكاة المصابيح) وأشهرها شرح علي القاري (ت:1014هـ) المسمى ب(مرقاة المفاتيح) وهو مطبوع في خمسة أجزاء .
  وله شرح حديث حافل يسمى (مرعاة المفاتيح) لعبيد الله المباركفوري من علماء الهند .
   ولرياض الصالحين شرح معروف وهو (دليل الفالحين) لابن علان (ت:1057هـ) طبع ثمانية أجزاء .
وشرح حديث للمرحوم د.صبحي الصالح سماه : (منهل الواردين) , وآخر للدكتور مصطفى الخن و زملائه سمى (نزهة المتقين) .
   كما أن لكتاب (الأذكار) للنووي أيضا شرحا لابن علان , سماه (الفتوحات الربانية) طبع في سبعة أجزاء .
   ولكتابه الصغير الشهير (الربعين النووية ) أكثر من شرح , ولكن أجلها وأوسعها وانفعها هو شرح ابن رجب الحنبلي (ت:795هـ) المسمى (جامع العلوم والحكم) وقد كمل أحاديث الأربعين فأصبحت خمسين , وقد حققها د . محمد الأحمدي أبو النور , وإن لم يكملها بعد .
  ومن الكتب النافعة هنا , والتي تشرح ما وراء الأحاديث من أسرار وحكم دينية واجتماعية : كتاب (حجة الله البالغة) للدهلوي (ت:1176هـ) .
  والداعية البصير يعرف الكتب والأبواب التي يحتاج إليها أكثر من غيرها من مصادر الحديث .
   فلا ريب أن كتب وأبواب الإيمان والتوحيد , والعبادات والعلم والأدب والزهد والرقاق , والذكر والدعاء , والقرآن والبر والصلة , وأحوال الآخرة والجنة والنار , والسيرة والمغازي , والقصص والتاريخ , ونحوها , وتجذب انتباه الداعية أكثر من الأحاديث التي تتعلق بالأحكام تعلقا مباشرا . وإن كان الداعية المتمكن الواسع الأفق , يستفيد من جميع أبواب الحديث .

التحري عند الاستشهاد بالحديث

   والشيء المهم للداعية هنا أن يتحرى عند إيراد الحديث مستشهدا به على معنى من المعاني , أو قيمة من القيم , أو موقف من المواقف , وهذا في الواقع واجب أهل العلم جميعا : أن يعتمدوا على المصادر الموثقة , وإن يحرروا ثقافتهم من الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة والتي لا أصل لها , التي تنتفخ بها بطون كثير من الكتب في ثقافتنا الدينية , فتختلط بغيرها من الصحاح والحسان , دون تمييز بين الصنفين : المقبول والمردود , وبعض الناس تغره شهرة  الحديث بين الناس , وشيوعه فبي الكتب أو على الألسنة , فيحسب هذا كافيا في توثيقه , وإعطائه جواز المرور والقبول .
ومما هو معروف لدى المحققين أن الحديث قد يشتهر على الألسنة , بل قد يشتهر في كتب أهل العلم , ويتناقله بعضهم عن بعض , وهو ضعيف جدا . بل ربما لم يكن له أصل , او كان حديثا موضوعا.
   وهذا ما جعل عددا من علماء الحديث يؤلفون في بيان قيمة الأحاديث المشتهرة على الألسنة , من ذلك كتاب الزركشي(ت:794هـ) المسمى (التذكرة بالأحاديث المشتهرة ) وكتاب ابن الديبع (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث) وكتاب الحافظ ابن حجر (ت:852هـ) (اللالئ المنثورة في الأحاديث المشهورة) , وككتاب السيوطي (ت:911هـ) ( الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة ) , وكتاب السخاوي(ت:902هـ) (المقاصد الحسنة فيما اشتهر من الحديث على الألسنة) والذي اختصره الزرقاني (ت:1122هـ) .
  وأجمعها (كشف الخفاء ومزيل الألباس , عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس) للعلجلوني (ت:1162هـ) .
  كما أن الكتب الخاصة ببيان الأحاديث الموضوعة : لابن الجوزي السيوطي والقاري والشوكاني واللكنوي وابن عراق الألباني وغيرهم مهمة في المجال .
   وفي كتب التصوف والوعظ والرقاق كثير من هذا النوع من الأحاديث , فليحذر منها قارئها .
  وكذلك في كتب التفسير , وخصوصا ما يتعلق بفضائل السور وقصص الأنبياء والصالحين , وأسباب النزول , فلم يصح منها إلا قليل .
   في مؤتمر قريب استشهد أحد الباحثين بقصة ثعلبة بن حاطب , التي ذكرها المفسرون سببا لنزول قوله تعالى في سورة التوبة "وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ"!.
   وإسناد القصة ـ كما قال الحافظ بن حجر في تخريج الكشاف ـ واه جدا(12).

آفة كثير من المواعظ

  وآفة كثير من الواعظ وخطباء المساجد في أكثر البلاد الإسلامية أنهم حاطبوا ليل , همهم ما يحرك العامة من الأحاديث , وإن لم يكن لها سند صحيح ولا حسن , ولا أكاد أشهد خطبة جمعة , أو درس وعظ , إلا سمعت جملة من الأحاديث الضعيفة , بل الشديدة الضعف , ربما الموضوعة .
حضرت في بعض البلاد خطبة أظنها كانت بمناسبة من مناسبات السيرة النبوية , لهذا كان محورها شخصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وطهارة سيرته , وروعة مواقفه , وعظمة خلقه , وهو موضوع ثري حافل بالحقائق الثابتة من صريح القرآن , وصحيح السنة .
   لكن الخطيب لم يذكر مما صح أو حسن من الحديث إلا اثنين أو ثلاثة , في حين أفرغ من جعبته جملة وافرة من الأحاديث الواهية , أو المنكرة , أو الموضوعة , أو التي لا يعرف لها أصل , مما قال فيه العلماء : لا خطم لها ولا أزمّة !
أذكر من ذلك بعض الأحاديث :ـ
"أول ما خلق الله نور النبي  صلى الله عليه وسلم ".
"وأن الله أحيا أبويه له فأسلما على يديه"
" وأن من تسمى باسم (محمد) وجبت له الشفاعة).
وأحاديث الخوارق التي حدثت عند مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...الخ...
ومن غرائب ما سمعته في فضل أمته عليه الصلاة والسلام حديث:ـ
علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"
   والحديث مما اشتهر وضعه , ونص العلماء في كتب المصطلح على أنه مكذوب .
  وقد دلل الخطيب المذكور على صحة الحديث بحكاية ذكرها , مضمونها : أن الإمام أبا حامد الغزالي لقى سيدنا موسى في الرؤيا أو في عالم الرواح , فقال له كليم الله موسى : ما اسمك؟ قال محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ...الخ... قال : سألتك عن اسمك ولم أسالك عن نسبك , قال وأنت سألك الله عما بيمينك فلم تقل عصا , وتسكت , بل قلت : ( هي عصاي أتوكأ عليها , وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)!
  قال : فحج الغزالي موسى عليه السلام !! وبهذا أثبت الخطيب صدق الحديث المكذوب , وهكذا نروج البضاعة الكاسدة من غرائب الحكايات والمنامات والإسرائيليات في غيبة البضاعة الطيبة من الأحاديث الصحاح والحسان . وتطرد العملة الرديئة العملة الجيدة , كما يقول الاقتصاديون !
وهذه آفة قديمة , حتى إن بعض العلماء المتشددين في رواية الحديث , والذين هم من أهل الثقة والمعرفة , إذا ألفوا في الموضوعات الوعظية تساهلوا غاية التساهل كما رأينا ذلك في كتب أبي فرج ابن الجوزي (ت:597هـ) الوعظية مثل (ذم الهوى) مع تشديده في كتاب (الموضوعات) و(العلل المتناهية) ونحوها ....
ومثل ذلك الحافظ النقاد شمس الدين الذهبي , فقد تساهل كثيرا في كتابه (الكبائر) لما له من طبيعة وعظية .
   وكذلك الحافظ المنذري في كتابه الجامع(الترغيب والترهيب) فقد ذكر فيه عددا كبيرا من الأحاديث الواهية المنكرة بل الموضوعة , ما كان أغناه عنها رحمه الله ولكنه نبه على ذلك بإشارات ومصطلحات ذكرها في مقدمته فأبرأ ذمته بذلك , وإن أغفلها قراؤه , وخصوصا في عصرنا .
   وهذا ما دفعني للعمل على إخراج (المنتقى) من أحاديثه الصحاح والحسان في جزأين , صدرا عن مركز بحوث السنة والسيرة في قطر.

فتوى ابن حجر الهيثمي

  ولقد أحسن ابن حجر الهيثمي الفقيه الشافعي المعروف , الذي طالب بصراحة من حكام زمنه منع كل خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث , ويخلط الصحاح بالأباطيل .
   ففي فتاواه الحديثة ما نصه :"وسئل رضي الله عنه في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة , ويروي أحاديث كثيرة , لم يبن مخرجيها , ولا رواتها (وذكر في ذلك حديثا معينا) فما الذي يجب عليه ؟ فأجاب بقوله :
   "ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها , أو من ذكرها , فجائز , بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث , أو ينقلها من كتاب مؤلفه كذلك , وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث , أو في خطب ليس مؤلفها كذلك , فلا يحل ذلك , ومن فعله عُزَّر عليه التعزير الشديد . وهذا حال أكثر الخطباء , فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها وخطبوا بها , من غير أن يعرفوا أن تلك الأحاديث أصلا أم لا , فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك , ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه , من ذلك إن ارتكبه ." ثم قال :"فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته , فإن كان مستندا صحيحا , فلا اعتراض عليه , و إلا ساغ الاعتراض عليه , بل وجاز لولي الأمر أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق "(13) انتهى ملخصا.  
   وليت خطباء زمننا يطبق عليهم هذا . إذن لزل الكثير منهم , لجهلهم بالحديث وخلطهم المقبول بالمردود .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) طبعها المكتب الإسلامي في بيروت, ونشرها مكتب التربية العربي لدول الخليج.
(11) نشرته مؤسسة الرسالة في بيروت .
(12) لإنها من رواية علي بن بريد الألهاني ـ وقد قال فيه البخاري : منكر الحديث وقال النسائي : ليس بثقة وقال الدار قطني متروك . عن القاسم أبي عبد الرحمن , وقد قال فيه أحمد : روى عن علي بن يزيد أعاجيب ! وقال بن حبان : كان يروي عن الصحابة المعضلات , ويأتي عن الثقات بالمقلوبات .
(13) الفتاوى الحديثة ص 43,44ط دار المعرفة ,لبنان .

تحقيق القول في رواية الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب

ـ السنة في مجال الفقه والتشريع


الباب الثاني
السنة ..مصدرا للفقيه والداعية

ـ السنة في مجال الدعوة والتوجيه
أولاً
السنة في مجال الفقه والتشريع

   السنة هي المصدر الثاني للفقه والتشريع بعد كتاب الله تعالى .

   ولهذا نرى مبحث(السنة) ـ باعتبارها أصلا ودليلا للأحكام الشرعية ـ مبحثا واسع الأكناف في جميع كتب (أصول الفقه) وفي كل المذاهب .
   حتى الإمام الأوزاعي (ت157) : الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب(1) .
وذلك , لأن السنة هي المبينة للكتاب , فهي التي تفصل ما أجمله , وتقيد ما أطلقه , وتخصص ما عممه .
   وهذا ما جعل بعضهم يقول : السنة قاضية على الكتاب(2) , بمعنى أنها تبين المراد منه .
   ولكن الإمام أحمد لم يسترح لهذه العبارة , وقال : لا أجرؤ أن أقول ذلك , ولكن أقول : السنة مبينة للكتاب(3) .
وهذا هو العدل , فالسنة تبين الكتاب من وجه , وهي من وجه آخر تدور في فلك الكتاب ولا تخرج عنه .
   والذي لا نزاع فيه هو مصدرية السنة للتشريع في العبادات والمعاملات للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة .
   يقول الإمام الشوكاني : الحاصل أن ثبوت حجية السنة , واستقلاها بتشريع الأحكام ضرورية دينية , ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الإسلام (4).
   ومن قرأ كتب الفقه الإسلامي ؛ في أي مذهب كان , وجدها طافحة بالاستدلال بالسنة قولا وفعلا وتقريرا .
  يستوي في ذلك من عرفوا في تاريخ الفقه باسم مدرسة الحديث ومن عرفوا باسم مدرسة الرأي .
   فالمبدأ مسلم به لدى الطرفين والخلاف إنما هو في التفصيل والتطبيق , نتيجة لاختلافهم في شروط قبول الحديث , والعمل به .
ومن قرأ كتب المذهب الحنفي ـ الذي يمثل مدرسة الرأي ـ وجدها حافلة بالأحاديث التي يستدل بها مشايخهم .
   وإن نظرة متأنية إلى الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب مثل (الاختيار شرح المختار) لابن مودود الحنفي الموصلي (ت683هـ) الذي كان مقررا علينا في دراستنا الثانوية بالمعاهد الأزهرية(أعني الطلبة الأحناف) أو كتاب مثل (الهداية) للمرغيناني , المقرر على الطلبة الأحناف في كلية الشريعة بالأزهر وشرحه (فتح القدير)للمحقق الحنفي كمال الدين بن الهمام ـ لكافية بتأكيد هذه الحقيقة وهي أن أهل الرأي يستندون إلى السنة , كما يستند أهل الأثر.
وقد قال بعض الناس في عصرنا : إن أبا حنيفة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حديثا !
  وهو كلام لا يدخل عقل عاقل عرف طبيعة المدارس العلمية في ذلك العصر , وتكوين العلماء فيها , وأبو حنيفة خريج مدرسة الكوفة العلمية , التي اجتمع فيها الفقه والحديث معا , منذ أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وازدادت علما وفضلا بوصول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إليها , وه الذي قال : رحم الله ابن أم عبد (يعني ابن مسعود) لقد ملأ هذه القرية علما !
   ومن الغريب أن بعضهم استند فيما ذكره عن أبي حنيفة إلى العلامة بن خلدون , وهذا خطف من بعض الكلام الذي ابتلينا به من كثير من الناس , دون أن يحيطوا خبرا بكل ما في الموضوع , حتى في السياق نفسه .
ولو أننا رجعنا إلى ابن خلدون لوجدناه يذكر ذلك بصيغة التمريض , ولا يتبناه بل يذكر بعده ما يرد عليه , وهذه عبارته , قال في فصل " علوم الحديث" من مقدمته :
"واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه البضاعة والإقلال , فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه قيل : إنه إنما بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها (إلى خمسين) , ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب (الموطأ) وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها , وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده ثلاثون ألف حديث , ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك .
وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين : إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث , ولهذا قَلت روايته . ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة , لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة , ومن كان قليل البضاعة من الحديث , فيتعين عليه طلبه وروايته , والجد والتشمير في ذلك , وليأخذ الدين عن أصول صحيحة , ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ عن الله . وإنما أقل منهم من أقل الرواية , لأجل المطاعن التي تعترضه فيها , والعلل التي تعرض في طريقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر , فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد , ويكثر ذلك , فتقل روايته لضعف الطرق , هذا مع أن أهل الحجاز رواية للحديث من أهل العراق , ولأن المدينة دار الهجرة و مأوى الصحابة , ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر , الإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل , وضعف الحديث إذا عارضه العقل القطعي , فاستصعب , وقلت من أجلها روايته , فقل حديثه , لا أنه ترك رواية الحديث متعمدا , فحاشاه من ذلك , ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم , والتعويل عليه , واعتباره ردا وقبولا, أما غيره من المحدثين وهم الجمهور , فتوسعوا في الشروط وكثرت روايتهم , روى الطحاوي فأكثر وكتب مسنده , وهو جليل القدر , إلا أنه لا يعدل الصحيحين , لأن الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما مجمع عليها بين الأمة كما قالوه , وشروط الطحاوي غير متفق عليها كالرواية عن المستور الحال وغيره"(5).
  هذا ما قاله العلامة بن خلدون عن أبي حنيفة ومذهبه , وهو كلام مؤرخ خبير منصف .

جميع الفقهاء يحتكمون إلى السنة

   ونستطيع أن نؤكد هنا جازمين : أن جميع فقهاء المسلمين  , من مختلف المدارس , وشتى الأمصار , ممن له مذهب باق أو منقرض , متبوع أو غير متبوع كانوا يرون الأخذ بالسنة الاحتكام إليها , والرجوع إلى حكمها إذا تبينت لهم , جزءا من دين الله , ولا يسعهم الخلاف عن أمرها , يستوي في ذلك المنتمي إلى مدرسة الرأي والمنتمي إلى مدرسة الحديث .
   أخرج البيهقي عن عثمان بن عمر قال : جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذا وكذا , فقال الرجل : أرأيت ؟ فقال مالك : "..فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (النور:63) وأخرج عن ابن وهب قال : قال مالك : لم يكن من فتيا الناس أن يقال لهم : لم قلت هذا ؟ كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها .
   وأخرج عن يحي بن ضريس قال : شهدت سفيان وأتاه رجل فقال : ما تنقم علي أبي حنيفة ؟ قال وما له ؟ قد سمعته يقول : آخذ بكتاب الله , فإن لم أجد فبسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله أخذت بقول أصحابه ,آخذ بقول من شئت منهم وادع قول من شئت منهم , ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم , فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وابن المسيب وعدد رجالا , فقوم اجتهدوا , فأجتهد كما اجتهدوا .
   وأخرج عن الربيع قال : روى الشافعي يوما حديثا فقال له رجل : أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : متى ما رويت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثا صحيحا فلم آخذ به , فأشهدكم أن عقلي قد ذهب !
   وأخرج عن الربيع قال : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقولوا بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوا ما قلت (6) .        

ضرورة الوصل بين الحديث والفقه

   وإذا كانت السنة مصدرا أساسيا للفقه , كان من الواجب على الفقهاء أن يتعمقوا في علم الحديث , كما على المحدثين أن يتقنوا علم الفقه , وكان من الفجوات العلمية التي يجب أن تسد : الفجوة بين المشتغلين بالفقه , والمشتغلين بالحديث , هذا الذي يجب أن تسد : الفجوة بين المشتغلين بالفقه , والمشتغلين بالحديث , وهذا ما ناديت به منذ سنين طويلة .
  فالغالب على المشتغلين بالفقه أنهم لا يتقنون فنون الحديث , ولا يتعمقون في معرفة علومه , ولاسيما علم الجرح والتعديل , وما يترتب عيه من توثيق الرواة أو تضعيفهم .
   ولهذا تنفق عندهم أحاديث لا تثبت عند أئمة هذا الشأن من صيارفة الحديث , ومع هذا يثبتونها في كتبهم , ويحتجون بها لما يقررون من أحكام في الحلال والحرام , والإيجاب والاستحباب .
بل قد يستدلون أحيانا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة , مما يذكر في الكتب ولا يعرف لها أصل ولا سند !
   والغالب على المشتغلين بالحديث أنهم لا يجدون معرفة الفقه وأصوله , والقدرة على استخراج كنوزه ودقائقه , والإطلاع على أقوال أئمته , وتعدد منازعهم ومشاربهم وأسباب اختلافهم , وتنوع اجتهادهم .
   مع أن كل فريق في حاجة ماسة إلى علم الآخر , ليكمل به ما عنده , فلابد للفقيه من الحديث , فإن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة , ولا بد للمحدث من الفقه , وحتى يعي ما يحمله , ولا يكون مجرد ناقل , أو يفهمه على غير وجهه.
   وهذا أمر لاحظه علماؤنا السابقون , ونددوا بمن أهمله , حتى روى عن بعض الأعلام مثل سفيان بن عيينة , أنهم قالوا : لو كان الأمر بيدنا لضربنا بالجريد كل محدث لا يشتغل بالفقه , وكل فقيه لا يشتغل بالحديث !
   ومن الغريب أن كتب الفقه فيها كثير من الأحاديث الضعيفة , مع أن من المتفق عليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام , على حين قبله الأكثرون في الفضائل والترغيب والترهيب .
   بل يوجد في كتب الفقه الضعيف الشديد الضعف , والموضوع , وما لا أصل له بالمرة .
   وهذا ما حفز بعض كبار المحدثين لتأليف كتب في تخريج الأحاديث التي يستشهد بها الفقهاء .
   كما فعل ابن الجوزي في كتاب (التحقيق في تخريج التعاليق) وقد هذبه ابن عبد الهادي في كتابه (تنقيح التحقيق) .
   كما ألف بعض الحفاظ كتبا في تخريج أحاديث كُتب لها شهرة وانتشار مثل كتاب (نصب الراية لأحاديث الهداية) للحافظ جمال الدين الزيلعي(ت672هـ )وقد طبع مرارا في أربعة مجلدات , كما أختصره الحافظ ابن حجر في كتابه (الدراية في تخريج أحاديث الهداية) بعد أن أضاف إليه بعض الفوائد العلمية , ونشر في جزء واحد .
   ومثل ذلك كتاب ابن حجر في تخريج أحاديث(فتح العزيز في شرح الوجيز)
وهو الشرح الكبير للرافعي على الوجيز للغزالي , فقد خرجه جماعة منهم ابن حجر في كتابه الشهير (تلخيص الحبير) .
   وقد استدل بعض الفقهاء بأحاديث ثبت لمن بعدهم ضعفها , فهم معذورون في الاستدلال بها , ولكن الذين انكشف لهم ضعفها لا عذر لهم في استمرار الاحتجاج بها , وينبغي أن يترك الحكم المبني عليها , ما لم تكن هناك أدلة أخرى من نصوص الشرع أو قواعده العامة ومقاصده الكلية .
ومن قرأ كتب (تخريج الحديث) ـ التي أشرنا إليها ـ للكتب الفقهية المشهورة في المذاهب المتبوعة يتبين له ذلك بجلاء , كما يظهر ذلك في مثل (نصب الراية لأحاديث الهداية ) للزيلعي , و(تلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) لابن حجر ,و(إرواء الغليل في تخريج منار السبيل)للألباني (والهداية في تخريج أحاديث البداية ) لابن رشد , لأحمد بن صديق الغماري.
   لاحظت ـ وأنا أبحث في فقه الزكاة ـ عددا من الأحاديث يستدل بها داخل المذاهب المتبوعة , وهي مجروحة عند أئمة الحديث , مثل : " ليس في الخضروات صدقة ".
" لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " .
" لا يجتمع عشر وخراج".
"ليس في المال حق سوى الزكاة".
والحديث الخير اشتهر عند الفقهاء , وذكره بعض كبارهم , مثل: الماوردي في (الأحكام السلطانية) , والشرازي في (المهذب) , وابن قدامة في (المغني) .
وقد قال عنه النووي في (المجموع) : حديث ضعيف جدا لا يعرف .
  وقبله قال البيهقي في(السنن) : يرويه أصحابنا في التعاليق , ولست أحفظ فيه إسنادا .
   وأصل الحديث عند الترمذي وابن ماجه والطبري في تفسيره :"في المال حق سوى الزكاة" ثم وقع خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه , وزِيد في أول الحديث كلمة "ليس" وشاع الخطأ واستمر , كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو زرعة بن الحافظ زين الدين العراقي في (طرح التثريب في شرح التقريب , ج4ص 18)وبينه العلامة أحمد شاكر في تخريجه لتفسير الطبري(الأثر:2527) وأقام عليه من الأدلة ما يشفي الغليل (7) .
   وفي كثير من كتب الفقه وأبوابه أحاديث من هذا النوع , الذي لا يعرف له سند عند بعض الحفاظ , وهو الذي يقول عنه الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) : غريب . وهو اصطلاح خاص به , يفيد أنه لم يجد له سندا . ويقول عنه الحافظ ابن حجر في (الدراية) : لم أجده . أو : لم أره مرفوعا , ونحو ذلك من الألفاظ .
 ويكثر هذا في بعض الأبواب إلى حد يلفت النظر.
   كنت أطالع أحاديث كتاب (الذبائح) في (الدراية) فوجدت فيه أكثر من عشرين حديثا , بعضها صحيح , وبعضها ضعيف , وبعضها لم يعرفه الحافظ أو لم يجده !
   ومن ذلك حديث : " سنوا بهم (أي المجوس) سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم , ولا آكلي ذبائحهم " قال : لم أجده بهذا اللفظ .
   وحديث "المسلم يذبح على اسم الله , سمى أو لم يسم "قال : لم أجده بهذا اللفظ.
   وحديث ابن مسعود : " جردوا التسمية" قال : لم أجده .
   وحديث " الذكاة ما بين اللبة واللحيين " قال : لم أجده .
   وحديث " افر الأوداج بما شئت" قال : لم أجده.
   وحديث " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت "قال المصنف :أي تبلغ بالسكين النخاع , قال الحافظ :لم أجده .
   وحديث " أنه نهى عائشة عن الضبّ حين سألته عن أكله " قال : لم أجده .
  وحديث "أنه نهى عن بيع السرطان" قال : لم أجده .
إلى أحاديث أخرى(8) .
   وليس هذا مقصورا على كتب(أهل الرأي) كما يسمونهم , بل يشمل كتب سائر المذاهب , فيوجد فيها الضعيف , وما لا أصل له أيضا , وإن كانت النسبة قد تختلف بين مذهب ومذهب .
   والناظر في (تلخيص الحبير) للحافظ ابن حجر , الذي خرج فيه أحاديث شرح الرافعي لوجيز الغزالي ـ وهما من أئمة الشافعية ـ يجد مصداق ذلك بوضوح , فقد ضعف كثيرا من الأحاديث المحتج بها في الكتاب , وإن كان هو شافعيا أيضا . ولكن الحق أحق أن يتبع .
   وقد كتب في ذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت:458هـ)
إلى الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني ـ والد إمام الحرمين ـ (ت:438هـ) ينتقده بأدب في بعض أوهام حديثية وقعت له في كتابه (المحيط) ومن ذلك : أول حديث فيه , وهو النهي عن الاغتسال بالماء المشمس , وهو حديث لا يصح .
   ومن إنصاف البيهقي : أنه أنكر على المحدثين من أصحابه الشافعية تساهلهم في ترك التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وما لا يصح , وفي الرواية عن الضعفاء والمجهولين ,, إلى آخر ما قال في رسالته الرصينة الركينة(9) .
  وأغرب من ذلك : أن كتب (أصول الفقه) نفسها لا تخلو من الأحاديث الواهية والموضوعة والتي لا أصل لها , مثل حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "
"ما رواه المسلمون حسنا فهو حسنا عند الله حسن " "اختلاف أمتي رحمة " وغيرها مما يجده من يقرأ كتب الأصول المعروفة للدارسين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إرشاد الفحول للشوكاني ص 33ط مصطفى الحلبي .
(2) نفسه , وقد عزاه إلى يحي بن أبي كثير , وذكره ابن عبد البر في جامعه (2/192).
(3) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/191,192)ط : بيروت المصورة عن المنيرية.
(4) إرشاد الفحول ص 33, ط . مصطفى الحلبي .
(5) مقدمة ابن خلدون ج 3ص 1143ـ 1145ط لجنة البيان العربي ـ ثانية ـ تحقيق د . علي عبد الواحد وافي .
          (6) مفتاح الجنة للسيوطي ص:49,50 .
(7) انظر في ذلك : كتابنا (فقه الزكاة) حاشية 3,4 من ص 966, 967 طبعة الرسالة .
(8) انظر : الدراية في تخريج الهداية لابن حجر , بتعليق هاشم اليماني ,ج2,ص205ـ213 .
(9) انظر مقدمة (معرفة السنن والآثار) بقلم محققه الأستاذ السيد أحمد صقر ص19ـ 24 , ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة .
ثانياً
السنة في مجال الدعوة والتوجيه
كيف نتعامل مع السنة النبوية
معالم وضوابط
الدكتور يوسف القرضاوي

منزلة السنة وواجبنا نحوها وكيف نتعامل معها؟


كتبهامصطفى الكومي ، في 3 يناير 2011 الساعة: 16:56 م



      معالم وضوابط
    الدكتور يوسف القرضاوي
  بسم الله الرحمن الرحيم
































مقدمة المؤلف
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه ..أما بعد :
   فقد كلفني كل من المعهد لعالمي للفكر الإسلامي في واشنطن , والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن , إعداد بحث أو كتاب عن كيفية التعامل مع السنة النبوية باعتبارها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم , للإسلام : فقها وتشريعا وقضاء , ودعوة وتربية وتوجيها . فقمت ـ بتوفيق الله تعالى ـ بكتابة هذه البحث الذي طال نسبيا , وإن كان الموضوع يستحق ما هو أطول وأوسع , لبالغ أهميته , ومسيس الحاجة إليه .
   ولم أعن في هذا البحث بثبوت السنة , وبيان حُجيتها , فهذا مجال آخر , وقد كتبت فيه , كما كتب فيه غيري , فأفاد وأحسن , ولكني عنيت أكثر ما عنيت ببيان المبادئ الأساسية للتعامل مع السنة المطهرة , سواء تعاملنا معها فقهاء أم دعاة , وبيان المعالم والضوابط اللازمة لفهم السنة فهما صحيحا , وبعيدا عن تضييق الحرفيين الذين يجمدون على الظواهر , ويغفلون المقاصد , ويتمسكون بجسم السنة , ويهملون روحها ! وبعيدا أيضا عن تمييع المتهاونين والمتعالمين الذين يدخلون البيوت من غير أبوابها و والذين يقحمون أنفسهم فيما لا يحسنون , ويقولون على الله ورسوله ما لا يعلمون .
   وقد اجتهدت أن تكون كتابتي عملية موثقة , وأن أسند كل قول إلى قائله , وأؤيد كل دعوى بدليلها , وألا أحتج إلا بحديث صحيح أو حسن , حتى لا أقع فيما أنكرته على غيري , وان أرجع إلى علماء الأمة ـ خصوصا في خير قرونها ـ لأقتبس من نورهم , وأستفيد من نهجهم , وإن كان كل احد يؤخذ منه ويرد عليه , إلا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ , لهذا لم ألتزم التقيد إلا بمحكمات القرآن والسنة , ومقاصد الشريعة وقواعدها , المستنبطة من مفردات نصوصها , وجزئيات أحكامها التي لا تحصى . محاولا أن أنصف السنة من خصومها اللدّ , ثم من أنصارها , الذين يسيئون إليها بضيق أفقهم ـ مع حسن نيتهم وإخلاصهم ـ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
   كما تعمدت أن أكثر من الأمثلة للموضوعات التي أطرقها , حتى تتضح القضية أمام القارئ تمام الوضوح , ويكون كل مثال شعاعا مضيئا على الطريق .
   أرجو أن أكون قد وفيت ـ أو قاربت ـ بما أردت وما أريد مني , وعسى أن اكون بما كتبت في زمرة (الخلوف العدول) الذين ينفون عن علم النبوة تحريف الغالين , وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين , عسى أن أنال بذلك شفاعة سيد المرسلين , وخاتم النبيين .
   والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات (.. الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ..). 
الدوحة . في شوال 1409هـ
مايو1989م
يوسف القرضــاوي
الباب الأول
منزلة السنة وواجبنا نحوها
وكيف نتعامل معها؟
 ـ منزلة السُنة في الإسلام
ـ واجب المسلمين نحو السنة
ـ مبادئ أساسية للتعامل مع السنة
أولا : منزلة السنة في الإسلام
   إن السنة هي التفسير العملي للقرآن , والتطبيق الواقعي ـ والمثالي أيضا ـ للإسلام , فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو القرآن مفسرا , والإسلام مجسما .
   وقد أدركت هذه المعنى , أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , بفقهها وبصيرتها , ومعايشتها لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعبرت عن ذلك بعبارة مشرقة بليغة , حين سئلت عن خلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : كان خلقه القرآن (1).
   فمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه فليعرف مفصلا مجسدا في السنة النبوية والقولية والعملية والتقريرية .
منهج شمولي
  فهو منهج يتميز بـ (الشمول) لحياة الإنسان كلها , طولا وعرضا وعمقا . ونعني بالطول : الامتداد الزمني الرأسي , الذي يشمل حياة الإنسان من الميلاد إلى الوفاة , بل من مرحلة الجنينية إلى ما بعد الوفاة .
 ونعني بالعرض الامتداد الأفقي , الذي يشمل مجالات الحياة كلها , بحيث تسير معه الهداية النبوية في البيت , وفي السوق وفي المسجد , وفي الطريق وفي العمل , وفي العلاقة مع الله , والعلاقة مع النفس , والعلاقة مع الأسرة والعلاقة مع الآخرين مسلمين وغير مسلمين , وبل مع الإنسان والحيوان والجماد .
   ونعني بالعمق : الامتداد في أغوار حياة الإنسان , فهي تشمل الجسم والعقل والروح , وتضم الظاهر والباطن , وتعم القول والعمل والنية .
منهج متوازن
   وهو منهج يتميز كذلك بالتوازن , فهو يوازن بين الروح والجسم , وبين العقل والقلب , وبين الدنيا والآخرة , وبين المثال والواقع , وبين النظر والعمل , وبين الغيب والشهادة , وبين الحرية والمسئولية , وبين الفردية والجماعية , وبين الاتباع والابتداع …
فهو منهج وسط لأمة وسط ..
   ولهذا كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا لمح من بعض أصحابه جنوحا إلى الإفراط أو التفريط , ردهم بقوة إلى الوسط , وحذرهم من مغبة الغلو والتقصير .
   ولهذا أنكر على الثلاثة الذين سألوا عن عبادته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكأنهم تقالوها , ولم تشبع نهمهم إلى التعبد , وعزم أحدهم أن يصوم الدهر فلا يفطر , والآخر أن يقوم الليل فلا يرقد , والثالث أن يعتزل النساء , فلا يتزوج , وقال حين بلغه قالتهم :"أما أني أخشاكم لله واتقاكم له , ولكني أصوم وأفطر , وأقوم وأرقد , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني "(2).
   ولما رأى مبالغة عبد الله بن عمر في الصيام والقيام والتلاوة , رده إلى الاعتدال قائلا: إن لبدنك عليك حقا (أي في الراحة) ولعينك عليك حقا (أي في النوم) ولأهلك عليك حقا (أي في الإمتاع والمؤانسة) , ولزورك عليك حقا(3) (أي في الإكرام والمشاركة) يعني فأعط كل ذي حق حقه .
منهج ميسر
   ومن خصائص هذا المنهج أنه يتميز أيضا باليسر والسهولة والسماحة .فمن أوصاف هذا الرسول في كتب الأولين من التوراة والإنجيل :".. يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.."(الأعراف157) .
فلا يوجد في سنة هذا النبي ما يحرج الناس في دينهم أو يرهقهم في دنياهم , بل هو يقول عن نفسه :"إنما أنا رحمة مهداة"(4) يتأول قوله تعالى :" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء107) .
 وقال عليه الصلاة والسلام :"إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا , ولكن بعثني ميسَّرا"(5)
   وحينما بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن أوصاهما بوصية موجزة جامعة "يسرا ولا تعسرا , وبشرا ولا تنفرا , وتطاوعا ولا تختلفا"(6)
   ويقول معلما لأمته :"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"(7)
ويقول عن رسالته :"أني بعثت بحنيفية سمحة"(8)
ثانياً : واجب المسلمين نحو السنة
   السنة النبوية إذن هي المنهاج التفصيلي لحياة الفرد المسلم , والمجتمع المسلم وهي تمثل ـ كما أشرنا ـ القرآن مفسرا , والإسلام مجسدا .
   فقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المبين للقرآن , المجسد للإسلام , بقوله وعمله , وسيرته كلها , في الخلوة والجلوة , الحضر والسفر , واليقظة والنوم , والحياة الخاصة والعامة , والعلاقة مع الله ومع الناس , ومع الأقارب والأباعد والأولياء والأعداء في السلم وفي الحرب , وفي العافية والبلاء.
   ومن واجب المسلمين أن يعرفوا هذا المنهاج النبوي المفصل , بما فيه من خصائص الشمول والتكامل والتوازن والتيسير , وما يتجلى فيه من معاني الربانية الراسخة , والإنسانية الفارعة , والأخلاقية الأصيلة .
   وهذا يوجب عليهم أن يعرفوا كيف يحسنون فهم هذه السنة الشريفة , وكيف يتعاملون معها فقها وسلوكا , كما تعامل معها خير أجيال هذه الأمة :الصحابة ومن اتبعهم بإحسان .
   إن أزمة المسلمين الأولى في هذا العصر هي أزمة فكر , وهي في رأيي تسبق أزمة الضمير .
   وأوضح ما تتمثل فيه أزمة الفكر هي أزمة فهم السنة والتعامل معها , وخصوصا من بعض تيارات الصحوة الإسلامية , التي ترنو إليها الأبصار وتناط بها الآمال , وتشرئب إليها أعناق الأمة في المشارق والمغارب , فكثيرا ما أتى هؤلاء من جهة سوء فهمهم للسنة المطهرة .    
التحذير من آفات ثلاث
   وقد روى عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يشير إلى ما يتعرض له علم النبوة وميراث الرسالة على أيدي الغلاة , والمبطلين , والجهال .
 وذلك فيما رواه ابن جرير وتمام في فوائده وابن عدي وغيرهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله , ينفون عنه تحريف الغالين , وانتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين "(9) .
إنها معاول ثلاث , كل واحد منها يمثل خطرا على الميراث النبوي .
تحريف أهل الغلو
(أ‌)              ـ فهناك : (التحريف) الذي يأتي عن طريق الغلو والتنطع , والتنكب عن (الوسطية) التي تميز بها هذا الدين , وعن (السماحة) التي وصفت بها هذه الملة الحنيفية , وعن (اليسر) الذي اتسمت به التكاليف في الشريعة .
إنه الغلو الذي هلك به من قبلنا من أهل الكتاب , ممن غلا في العقيدة , أو غلا في العبادة , أو غلا في السلوك .
وقد سجل القرآن عليهم ذلك حين قال :" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ" (المائدة77).
 ولهذا روى ابن عباس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :"إياكم والغلو في الدين , فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين"(10)
وروى ابن مسعود عنه :"هلك المتنطعون"قالها ثلاثا(11) .
انتحال أهل الباطل
(ب‌)       ـ وهناك : (الانتحال) الذي يحاول به أهل الباطل أن يدخلوا على هذا المنهج النبوي ما ليس منه , وأن يلصقوا به من المحدثات والمبتدعات ما تأباه طبيعته , وترفضه عقيدته وشريعته , وتنفر منه أصوله وفروعه .
 ولما عجزوا عن إضافة شيء إلى القرآن المحفوظ في الصدور , المسطور في المصاحف , المتلو بالألسنة , حسبوا أن طريقهم إلى الانتحال في السنة ممهد , وأن بإمكانهم أن يقولوا : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون بينة .
   ولكن جهابذة الأمة وحفظة السنة , قعدوا لهم كل مرصد , وسدوا عليهم كل منافذ الانتحال .
   فلم يقبلوا حديثا بغير سند , ولم يقبلوا سندا , دون أن يشرحوا رواته واحدا واحدا , حتى تعرف عينه , ويعرف حاله , من مولده إلى وفاته , ومن أي حلقة هو ؟ ومن شيوخه ؟ ومن رفاقه ؟ ومن تلاميذه ؟ وما مدى أمانته وتقواه , ومدى حفظه وضبطه , ومدى موافقته للثقات المشاهير أو انفراده بالغرائب .
 ولهذا قالوا : الإسناد من الدين , ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء !
طال علم بلا إسناد كحاطب ليل!
 ولم يقبلوا من الحديث إلا ما كان متصل السند من مبدئه إلى منتهاه بالثقات من الرواة العدول الضابطين , من غير فجوة ظاهرة أو خفية ومع ضرورة السلامة من كل شذوذ أو علة قادحة .
   وهذا التدقيق في طلب الإسناد بشروطه وقيوده من خصائص الأمة الإسلامية , ومما سبقوا به أمم الحضارة المعاصرة في وضع أسس المنهج العلمي التاريخي .
تأويل أهل الجهل
 (ج) ـ وهناك : (سوء التأويل) الذي به تشوه حقيقة الإسلام , ويحرف فيه الكلم عن مواضعه , وتنتقص فيه أطراف الإسلام , فيخرج من أحكامه وتعاليمه ما هو من صلبه , كما حاول أهل الباطل أن يدخلوا فيه ما ليس منه , أو يؤخروا ما حقه أن يقدم , أو يقدموا ما حقه أن يؤخر .
   وهذا التأويل السيئ , والفهم الرديء , من شأن الجاهلين بهذا الدين , الذين لم يشربوا روحه , ولم ينفذوا ببصائرهم إلى حقائقه فليس من الرسوخ في العلم , ولا من التجرد للحق , ما يعصمهم من الزيغ والانحراف في الفهم , والإعراض عن المحكمات , واتباع المتشابهات , ابتغاء الفتنة , وابتغاء تأويلها تبعا للهوى المضل عن سبيل الله .
 إنه (تأويل الجاهلين) وإن لبسوا لبوس العلماء , تظاهروا بألقاب الحكماء . وهذا ما يجب التنبه له , والتحذير منه ووضع الضوابط الضرورية للوقاية من الوقوع فيه .
   ومعظم الفرق الهالكة , والطوائف المنشقة عن الأمة , وعن عقيدتها , وشريعتها , والفئات الضالة عن سواء الصراط , إنما أهلكها سوء التأويل.
 وللإمام ابن القيم هنا كلمة مضيئة في ضرورة حسن الفهم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكرها في كتاب (الروح) ننقلها عنه , قال : "ينبغي أن يفهم عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مراده من غير علو ولا تقصير , فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله , ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدي والبيان , وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب , ما لا يعلمه إلا الله , بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام , بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع , ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد , فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع , مع حسن قصده , وسوء القصد من التابع , فيا محنة الدين وأهله ! والله المستعان . وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس , هو موجب هذه الأفهام ! والذي فهمه الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ومن تبعهم ـ عن الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمهجور لا يلتفت إليه , ولا يرفع هؤلاء به رأسا …. حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره , فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مراده كما ينبغي في موضع واحد , وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأما من عكس الأمر , فعرض ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما اعتقده وانتحله , وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا , فدعه , وما اختاره لنفسه وولّه ما تولى , واحمد الذي عفاك مما ابتلاه به " انتهى .
ثالثاً مبادئ أساسية للتعامل مع السنة
ومن هنا ينبغي لمن يتعامل مع السنة النبوية , لكي ينفي عنها انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين أن يتشبث بعدة أمور , تعتبر مبادئ أساسية في هذا المجال :ـ
أولا ـ أن يستوثق من ثبوت السنة وصحتها حسب الموازين العلمية الدقيقة التي وضعها أئمة الإثبات , والتي تشمل السند والمتن جميعا سواء كانت السنة قولا أم فعلا , أم تقريرا .
   ولا يستغني باحث هنا عن الرجوع إلى أهل الذكر والخبرة في هذا الشأن , وهم صيارفة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في طلبه ودراسته وتمييز صحيحه من سقيمه , ومقبوله من مردوده ." وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" (فاطر14) .      
 وقد أسس القوم للحديث علما ثابت الجذور ,باسق الفروع , هو للحديث بمنزلة علم أصول الفقه للفقه , وهو في الواقع مجموعة من العلوم بلغ بها العلامة بن الصلاح (65 نوعا).
وزاد عليها من بعده حتى أوصلها السيوطي في (تدريب الرواي على تقريب النواوي) إلى (93 نوعا) .
ثانيا ـ أن يحسن فهم النص النبوي , وفق دلالات اللغة , وفي ضوء سياق الحديث , وسبب وروده , وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى وفي إطار المبادئ العامة , والمقاصد الكلية للإسلام ,مع ضرورة التمييز بين ما جاء منها على سبيل تبليغ الرسالة , وما لم يجيء كذلك , وبعبارة أخرى : ما كان من السنة تشريعا وما ليس بتشريع , وما كان من التشريع له صفة العموم والدوام , وما له صفة الخصوص أو التأقيت , فإن من أسوأ الآفات في فهم السنة خلط أحد القسمين بالآخر.
ثالثا ـ أن يتأكد من سلامة النص من معارض أقوى منه , من القرآن , أو أحاديث أخرى أوفر عددا , أو أصح ثبوتا , أو أوفق بالأصول وأليق بحكمة التشريع , أو من المقاصد العامة للشريعة , التي اكتسبت صفة القطعية , لأنها لم تؤخذ من نص واحد أو نصين بل أخذت من مجموعة من النصوص والأحكام أفادت ـ بانضمام بعضها إلى بعض ـ يقينا وجزما بثبوتها .
السنة التي يرجع إليها في التشريع والتوجيه
   إن السنة هي المصدر الثاني للإسلام , في تشريعه وتوجيهه . يرجع إليها الفقيه لاستنباط الأحكام , كما يرجع إليها الداعية والمربي , ليستخرجا منها المعاني الملهمة , والقيم الموجهة والحكم البالغة , والأساليب المرغبة في الخير , المرهبة عن الشر .
   ولا بد للسنة لكي تقوم بهذه المهمة أن يترجح لدينا ثبوتها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا يترجم في علم الحديث بان يكون الحديث الذي يستشهد به صحيحا أو حسنا , والصحيح يشبه مرتبة الممتاز أو الجيد جدا في التقدير الجامعي . والحسن يشبه مرتبة الجيد أو المقبول , ولهذا كان أعلى الحسن قريبا من الصحيح كما أن أدناه قريب من الضعيف .
وعلماء الأمة متفقون على هذا الشرط في الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام الشرعية العملية , التي هي عماد علم الفقه , وأساس الحلال والحرام .
   ولكنهم مختلفون في الأحاديث التي تتعلق بفضائل العمال والأذكار والرقائق والترغيب والترهيب , ونحوها , مما لا يدخل في باب التشريع الصريح , فمن علماء السلف من تساهل في روايته , ولم ير في إخراجه بأسا .
 وهذا التساهل ليس على إطلاقه , فله مجاله , وله شروطه , ولكن الكثيرين أساءوا استخدامه , فشردوا به عن سواء السبيل , ولوثوا به نبع الإسلام المصفى .
وكتب المواعظ و الرقائق و التصوف حافلة بهذا النوع من الأحاديث .
وكذلك كثير من كتب التفسير , حتى إن منها من التزم إخراج الحديث الموضوع الشهير في مضل سور القرآن , وقد كشف الأئمة الحفاظ عواره , وبينوا بطلانه , ولم يعد هناك عذر لمن يرويه , ويسود به صفحات كتابه !
   ولكن أمثال الزمخشري والثعالبي والبيضاوي وإسماعيل حقي وغيرهم , أصروا على إخراج الحديث المكذوب .
 بل أكثر من ذلك وجدنا مفسرا مثل صاحب (روح البيان) يبرر ذكر الحديث ويقف موقف المحامي عنه , إنه ليقول في جراءة يحسد عليها : في أخر تفسير سورة التوبة :"واعلم أن الأحاديث التي ذكرها صاحب "الكشاف" في أواخر هذه السورة , وتبعه القاضي البيضاوي والمولى أبو السعود رحمهم الله من أجلة المفسرين : قد أكثر العلماء القول فيها , فمن مثبت , ومن ناف , بناء على زعم وصفها كالإمام الصغاني وغيره ".
   "واللائح لهذا العبد الفقير سامحه الله القدير :أن تلك الأحاديث لا تخلو إما أن تكون : صحيحة قوية , أو سقيمة ضعيفة , أو مكذوبة موضوعة .
   فإن كانت صحيحة قوية فلا كلام فيها , وإن كانت ضعيفة الأسانيد , فقد اتفق المحدثون على أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في الترغيب والترهيب فقط , كما في "الأذكار للنووي , و"إنسان العيون" لعلي بن برهان الدين الحلبي , و" الأسرار المحمدية" لابن فخر الدين الرومي وغيرها .
   وإن كانت موضوعة : فقد ذكر الحاكم وغيره أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع الأحاديث في فضل القرآن وسوره , فقيل له : لم فعلت هذا ؟ فقال : رأيت الناس زهدوا في القرآن , فأحببت أن أرغبهم فيه , فقيل له : إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فقال ما كذبت عليه , وإنما كذبت له "!!
   أراد : أن الكذب عليه يؤدي إلى هدم قواعد الإسلام , وإفساد الشريعة والأحكام وليس كذلك : الكذب له : فإنه للحث على اتباع شريعته , واقتفاء أثره في طريقته , قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : الكلام وسيلة إلى المقاصد , فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا , فالكذب حرام , فإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق : فالكذب فيه مباح عن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا , وواجب إن كان ذلك المقصود واجبا , فهذا ضابطه(12) انتهى.
   ولا نملك هنا إلا أن نحوقل ونسترجع !
   ثم إن المرء ليعجب غاية العجب أن يصدر مثل هذا الكلام من رجل حشر نفسه في زمرة المفسرين لكتاب الله , ووصفه بعضهم بأنه فقيه وأصولي ! وأي فقه عند هذا الذي يجهل الأوليات عند العلماء المحققين ؟!
   جهل هذا الشيخ ذو النزعة الصوفية أن الله أكمل لنا الدين , وأتم به علينا النعمة , فلم نعد في حاجة إلى من يكمله لنا , باختراع أحاديث من عنده , كأنما يستدرك على الله تعالى , أو يمتن على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ , يقول له : أنا أكذب لك , لأتمم لك دينك الناقص , وأسد ما فيه من فجوات , بما أضعه من أحاديث !
   أما كلام الإمام بن عبد السلام , ففي موضوع غير هذا , مما رخصت فيه الأحاديث مثل الكذب في الحرب , وإصلاح ذات البين , وإنقاذ بريء فار من ظالم يطارده , ونحو ذلك مما هو مذكور في مظانه .
 على أن كلام ابن عبد السلام نفسه يرد على دعوى هذا المدعي , فقد ذكر أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا , فالكذب حرام . وهنا تقول : إن كل الفضائل التي ترغب فيها الأحاديث المكذوبة , وكل الرذائل التي ترهب منها .. يمكن التوصل إليها بالأحاديث الصحاح والحسان من غير شك , فالكذب إذن حرام بيقين , بل من أكبر الكبائر .
رد الأحاديث الصحيحة كقبول الأحاديث الموضوعة
   إذا كان من الخطأ والخطل والخطر قبول الأحاديث الباطلة و الموضوعة , وعزوها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , فمثله في البطلان رد الأحاديث الصحاح الثابتة بالهوى والعجب والتعالم على الله ورسوله , وسوء الظن بالأمة وعلمائها وأئمتها في أفضل أجيالها , وخير قرونها .
   إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل في الدين ما ليس منه , أما رد الأحاديث الصحيحة , فيخرج من الدين ما هو منه , ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم :
قبول الباطل , ورد الحق .
 وللمنحرفين والمبتدعين من قديم شبهات ودعاوي , كر عليها العلماء والمحققون بالنقض والإبطال .
قال الإمام الشاطبي :
   ربما احتج طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد الظن , وقد ذم الظن في القرآن , كقوله تعالى:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى" (النجم:23) . وقال:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (النجم:28) وما جاء في معناه حتى احلوا أشياء مما حرمها الله تعالى على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وليس تحريمها في القرآن نصا , وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا .
 والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا , وقد وجدنا له محال ثلاثة :
(أحدها) : الظن في أصول الدين , فإنه لا يغني عند العلماء , لاحتماله النقيض عند الظان , بخلاف الظن في الفروع , فإنه معمول به عند أهل الشريعة , والدليل الدال على إعماله , فكان الظن مذموما إلا ما تعلق منه بالفروع , وهذا صحيح ذكره العلماء في (هذا) الموضع .
(والثاني) : أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح . ولا شك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم , ولذلك أتبع في الآية بهوى النفس في قوله :" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ .." فكأنهم مالوا إلى أمر بمجرد الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه , بخلاف الظن الذي أثاره دليل , فإنه غير مذموم في الجملة , لأنه خارج عن اتباع الهوى , ولذلك أُثبت وعُمل بمقتضاه حيث يليق العمل بمثله كالفروع .
   (الثالث) : أن الظن على ضربين : ظن يستند إلى أصل قطعي , وهذه هي الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت , لأنها استندت إلى أصل معلوم , فهي من قبيل المعلوم جنسه , وظن لا يستند إلى قطعي , بل إما مستند إلى غير شيء أصلا وهو مذموم ـ كما تقدم ـ وإما مستند إلى ظن مثله , فذلك الظن إن استند أيضا إلى قطعي , فكالأول , أو إلى غير شيء , وهو مذموم , فعلى كل تقدير : خبر واحد صح سنده , فلابد من استناده إلى أصل في الشريعة قطعي فيجب قبوله , ومن هنا قبلناه مطلقا , كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شيء , فلا بد من ردها وعدم اعتبارها , وهذا الجواب الخير مستمد من أصل وقع بسطه في كتاب الموافقات والحمد لله .
   ولقد بالغ بعض الضالين في رد الأحاديث , ورد قول من اعتمد على ما فيها حتى عدوا القول به مخالفا للعقل , والقائل به معدود في المجانين .
   فحكى أبو بكر بن العربي عن بعض من لقى بالمشرق من المنكرين للرؤية , أنه قيل له : هل يكفر من يقول بإثبات رؤية الباري أم لا ؟ فقال : لا ! لأنه قال بما لا يعقل , ومن قال بما لا يعقل لا يكفر ! قال بن العربي : فهذه منزلتنا عندهم ! فليعتبر الموفق فيما يؤدي إليه اتباع الهوى , أعاذنا الله من ذلك بفضله (13) أ.هـ.
وذكر الإمام ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) كثيرا من الشبهات الكلية والجزئية , التي أثارها أعداء السنة , وأبطلها شبهة شبهة , ولم يدعهم حتى أحال نارهم رمادا .
وفي عصرنا برز للسنة أعداء جدد , بعضهم من خارج ديارنا , كالمبشرين والمستشرقين , وبعضهم من داخل الدار , ممن تتلمذ عليهم وتأثر بهم مباشرة , أو غير مباشرة .
   ولقد استخدم هؤلاء المحدثون أسلحة الخصوم القدماء , وأضافوا إليها أسلحة حديثة , مما أوحت به ثقافة العصر , وأجلب هؤلاء وأولئك بخيلهم ورجلهم على السنة وكتبها ورجالها ومناهجها , وأيدتهم في ذلك جهات ومؤسسات ذات قدرات ومكايد , ولكن الله تعالى قيض للسنة من جهابذة العصر من قاوم شبهات المشككين بالحجج البالغة , وأباطيل المزيفين بالحقائق الدامغة , "فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ" (الأعراف:119).
   وحسبنا من هؤلاء الفقيه الداعية المجاهد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله , في كتابه القيم النافع "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" جعله الله في ميزانه حسنات ودرجات عنده (14).
   بيد أن الذي ألفت النظر إليه هنا هو رد السنة وصحاح الأحاديث , بناء على فهم خاطئ لاح في ذهن امريء غير متخصص ولا متثبت , مما يدلنا على ضرورة التأني والتحري والتدقيق في فهم السنة , والرجوع إلى مصادرها وأهلها , وهو ما ننبه عليه في الصفحات التالية .
رد الأحاديث الصحيحة لسوء فهمها
 إن من الآفات التي تتعرض لها السنة أن يقرأ بعض الناس المتعجلين حديثا فيتوهم له معنى في نفسه هو , يفسره به , وهو معنى غير مقبول عنده , فيتسرع برد الحديث لاشتماله على المعنى المرفوض .
ولو أنصف وتامل وبحث , لعلم أن معنى الحديث ليس كما فهم , وانه فرض عليه معنى من عنده لم يجيء به قرآن ولا سنة , ولا ألزمت به لغة العرب , ولا قال به عالم معتبر من قبله .
حديث :"اللهم أحيني مسكينا..":
قرأ بعضهم الحديث الذي رواه بن ماجة عن أبي سعيد الخدري والطبراني عن عبادة بن الصامت :"اللهم أحيني مسكينا , وأمتني مسكينا , واحشرني في زمرة المساكين "(15) .
   ففهم من المسكنة الفقر من المال , والحاجة إلى الناس , وهذا ينافي استعاذة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فتنة الفقر (1) , وسؤاله من الله تعالى العفاف والغنى(17) , وقوله لسعد : "إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي "(18) وقوله لعمرو بن العاص : "نعم المال الصالح للمرء الصالح "(19).
   من أجل ذلك رُد الحديث المذكور , والحق أن المسكنة هنا لا يراد بها الفقر , كيف وقد استعاذ بالله منه وقرنه بالكفر "اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر "(20) ؟ وفد امتن ربه عليه بالغنى فقال :" وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى" (الضحى:8).
 إنما المراد بها التواضع وخفض الجناح , قال العلامة ابن الأثير : أراد به التواضع والإخبات , ألا يكون من الجبارين المتكبرين .
 وهكذا عاش ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعيدا عن حياة المستكبرين ولو في الشكل والصورة , يجلس كما يجلس العبيد والفراء , ويأكل كما يأكلون . ويأتي الغريب فلا يميزه من أصحابه , فهو معهم كواحد منهم . وهو في بيته يخصف نعله بيده , ويرقع ثوبه , ويحلب شاته ويطحن بالرحا مع الجارية والغلام .
   ولما دخل عليه رجل هابه فارتعد , فقال له : هون عليك , فلست بملك , إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة .
تجديد الدين
   وقرا بعضهم الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وصححه غير واحد عن أبي هريرة مرفوعا:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها "(21) .
   ففهم من التجديد أنه تطوير الدين وتغييره ليلائم الزمن فقال : الدين لا يجدد , الدين ثابت لا يتغير , وليست مهمة الدين أن يلائم التطور , إنما مهمة التطور أن يلائم الدين . إن زعم تجديد الدين يعني أننا في عصر تخرج طبعة جديدة , منقحة لمبادئه وتعاليمه , تساير حاجات الناس , وتواكب التطور , وهذا قلب للحقائق , فليرفض الحديث الذي يقول هذا .
 وما يقوله هذا القائل صحيح لو كان المراد بالتجديد ما فسره به .
   إن التجديد المراد ـ كما شرحته في بحث لي ـ هو تجديد الفهم له ـ والإيمان به والعمل به . فالتجديد لشيء ما , هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشا وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد , وذلك بتقوية ما وهى منه , وترميم ما بلى , ورتق ما انفتق , حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى .
   فالجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم , أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر , فهذا ليس من التجديد في شيء .
   ولنأخذ بذلك مثلا في الحسيات , إذا أردنا تجديد مبنى أثري عريق , فمعنى تجديده , الإبقاء على جوهره وطابعه ومعالمه , وكل ما يبقي على خصائصه وترميم كل ما أصابه من عموامل التعرية , وتحسين مداخله وتسهيل الطريق إليه , والتعريف به …الخ . وليس من التجديد في شيء أن نهدمه , ونقيم عمارة ضخمة على أحدث طراز مكانه .
   وكذلك الدين : لا يعني تجديده إظهار طبعة جديدة منه , بل يعني به العودة إلى حيث كان في عهد الرسول وصحابته ومن تبعهم بإحسان (22) .  
بني الإسلام على خمس
   ومن أعجب ما سمعته في عصرنا من رد الحديث الصحيح بالفهم القاصر أن بعض الناس قد رد أشهر حديث يحفظه المسلمون , صغرهم وكبارهم , وعامتهم وخاصتهم , وهو حديث ابن عمر وغيره :"بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله , وان محمد رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان , وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ".
   وحجة هذا المقتحم الجريء : أن الحديث لم يذكر الجهاد , مع أهميته في الإسلام , فكان هذا دليلا على وضعه !
   وجهل هذا أن الجهاد إنما يجب على بعض الناس دون بعض , ولا يفترض عينا إلا في ظروف خاصة ولاعتبارات معينة , بخلاف هذه المباني الخمسة , التي طابعها العموم لكل الناس .
   ولو كان منطق هذا الإنسان صحيحا , لوجب عليه أن يرد آيات القرآن التي وصفت المؤمنين , والمتقين , وعباد الرحمن , والأبرار , والمحسنين , وأولي الألباب وغيرهم ممن اثنى الله عليهم في كتابه , ووعدهم بأجزل المثوبة . ولم يذكر في أوصافهم الجهاد .
   اقرأ في ذلك أوصاف المتقين في أوائل (البقرة) الآيات L2ـ5) وأهل البر والصدقة في آية (ليس البر) وأوصاف المؤمنين في أول الأنفال (2ـ4) وأوصاف أولي الألباب في سورة الرعد (20ـ22) وأوصاف المؤمنين الوارثين للفردوس في أول سورة المؤمنون (1ـ10) وأوصاف عباد الرحمن في أواخر سورة الفرقان (63ـ77) وأوصاف المتقين المحسنين في سورة الذاريات (15ـ23) وأوصاف المكرمين في جنات الله في سورة المعراج (32ـ35) وكل هذه المواقع وغيرها في كتاب الله العزيز , لم تذكر الجهاد فهل يرد هذا الجهول المتطاول هذه الآيات من كتاب الله العزيز ؟!
   وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لتعليل حصر الإسلام في الخمس المذكورة , ولماذا لم يذكر الواجبات الأساسية الأخرى , مثل الجهاد , وبر الوالدين وصلة الرحم ونجو ذلك , فقال :
   ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من العمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس فلماذا قال الإسلام هذه خمس , وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها , وبقيام العبد بها يتم إسلامه , وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده .  
   و"التحقيق " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا والذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان , فيجب على كل من كان قادرا عليه ليعبد الله بها مخلصا له الدين , وهذه هي الخمس , وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب لمصالح , فلا يعم وجوبها جميع الناس .
   بل إما أن يكون فرضا على الكفاية , كالجهاد والمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , وملا يتبع ذلك من غمارة , وحكم وفتيا , وإقراء , وتحديث , وغير ذلك .
وإما أن يجب بسبب حق للآدميين يختص به من وجب به عليه , وقد يسقط بإسقاطه , وإذا حصلت المصلحة أو الإبراء , إما بإبرائه وإما بحصول المصلحة فحقوق العباد مثل قضاء الديون , ورد الغصوب , والعواري والودائع والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض , إنما هي حقوق الآدميين . وإذا برئوا منها سقطت وتجب على شخص دون شخص , في حال دون حال , لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر , ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى , بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين .
   وكذلك ما يجب من صلة الأرحام , وحقوق الزوجة , والأولاد , الجيران والشركاء والفقراء , وما يجب من أداء الشهادة , والفتيا , والقضاء والإمارة والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر والجهاد , كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض الناس دون بعض , لجلب منافع ودفع مضار , لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب , فما كان مشترك فهو واجب على الكفاية , وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون عمرو , لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس , فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمر وأقاربه فليس الواجب على هذا مثل الواجب على هذا , بخلاف صوم رمضان , وحج البيت , والصلوات الخمس , والزكاة , فإن الزكاة و إن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله , والأصناف الثمانية مصارفها , ولهذا وجبت فيها النية  , ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه , ولم تطلب من الكفار , وحقوق العباد لا يشترط لها النية , ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار(23).
من المجازفة التسرع برد الصحيح وإن أشكل         
 إن المسارعة برد كل حديث يشكل علينا فهمه ـ وإن كان صحيحا ثابتا ـ مجازفة لا يجتريء عليها الراسخون في العلم .
 إنهم يحسنون الظن بسلف الأمة , فإذا ثبت أنهم تلقوا حديثا بالقبول , ولم ينكره إمام معتبر , فلا بد أنهم لم يروا فيه مطعنا من شذوذ أو علة قادحة .
 والواجب على العالم المنصف أن يبقى على الحديث , ويبحث عن معنى معقول أو تأويل مناسب له .
وهذا هو الفرق بين المعتزلة وأهل السنة في المجال .
   فالمعتزلة يبادرون برد كل ما يعارض مسلماتهم المعرفية والدينية من مشكل الحديث , وأهل السنة يعملون عقولهم في التأويل , والجمع بين المختلف والتوفيق بين المتعارض في ظاهره .
   ومن أجل هذا ألّف الإمام أبو محمد ابن قتيبة (ت 27هـ ) كتابه المعروف "تأويل مختلف الحديث" ردا على الزوابع التي أثارها المعتزلة حول بعض الأحاديث , والتي زعموا أنها معارضة للقرآن , أو العقل , أو يكذبها العيان أو تناقضها أحاديث أخرى .
 وجاء بعده محدث الحنفية الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) فألف كتابه (مشكل الآثار) في أربعة مجلدات , محاولا أن يجد لهذه الأحاديث المشكلة تأويلا مقبولا , ووجها معقولا.
   من هنا ينبغي التدقيق البالغ في فهم الحديث إذا صح ثبوته عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحذر كل الحذر من رده بمجرد استبعادات عقلية قد يكون الخطأ كامنا فيها ذاتها .
   وأوضح مثل لذلك بعض ما جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .
   فقد أنكرت بعض الأحاديث لظنها أنها مخالفة للقرآن , أو للأصول الثابتة من الإسلام , أو غير ذلك , في حين أنها أحاديث رواها صحابة لا يشك في صدقهم ولا في ضبطهم , ومعناها صحيح .
خذ مثلا حديث (الهرة) وما جاء من عقوبة على تعذيبها حتى ماتت , فقد روى الإمامأحمد , عن علقمة , قال : كنا عند عائشة , فدخل أبو هريرة فقالت :أنت الذي تحدث : أن امرأة عذبت في هرة ربطتها , فلم تطعمها ولم تسقها ! فقال : سمعته منه , يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , فقالت : هل تدري ما كانت المرأة ؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة , وإن المؤمن أكرم على الله عز وجل من أن يعذبه في هرة ! فإذا حدثت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فانظر كيف تحدث !(24) .
   أنكرت عائشة أم المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بهذا الحديث بصيغته وحسبت أنه لم يضبط لفظه حين سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
 وحجة عائشة أنها تستكثر أن يعذب إنسان مؤمن من اجل هرة ! وأن المؤمن أكرم على الله من أن يدخله النار من أجل حيوان أعجم !
   غفر الله لعائشة , لقد غفلت عن شيء هنا في غاية الأهمية , وهو ما يدل عليه العمل . إن حبس الهرة حتى تموت جوعا , لهو برهان ناصع على جمود قلب تلك المرأة وقسوتها على مخلوقات الله الضعيفة , وأن أشعة الرحمة لم تنفذ إلى حناياها .
ولا يدخل الجنة إلا رحيم ,. ولا يرحم الله إلا الرحماء , فلو رحمت من في الأرض لرحمها من السماء .      
   إن هذا الحديث وما جاء في معناه ليعد فخرا للإسلام في مجال القيم الإنسانية , والتي تحترم كل مخلوق حي ,وتجعل في رعاية كل كبد رطبة أجرا .
   ومما يتمم هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري : أن رجلا سقى كلبا , فشكر الله له , فغفر له .
 وإن امرأة بغيا سقت كلبا , فغفر الله لها !
   على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث , حتى يظن أنه لم يضبط ألفاظه , كيف وهو أحفظ الصحابة على الإطلاق ؟
   فقد روى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ , قال :"عذبت امرأة في هرة ! حبستها حتى ماتت جوعا , فدخلت فيها النار , قال الله : لا أنت أطعمتيها ولا سقيتها حين حبستيها , ولا أنت أرسلتيها , فأكلت من خشاش الأرض "(25) .
ورواه الإمام أحمد عن جابر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
"عذبت امرأة في هر ربطته حتى مات , ولم ترسله فيأكل من خشاش الأرض"(26).
فلم ينفرد أبو هريرة برواية الحديث , ولو أنه انفرد ما ضره ذلك شيئا .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رواه مسلم بلفظ(خلقه كان القرآن) . وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي كما في تفسير سورة (ن) لابن كثير .
(2) رواه البخاري عن انس .
(3) رواه البخاري في كتاب الصوم .
(4)رواه ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلا , ورواه الحاكم عنه عن أبي هريرة موصولا , وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي , وصححه الألباني في تخريج كتابنا (الحلال والحرام)حديث رقم (1).
(5) رواه مسلم في باب الطلاق(1478).
(6) متفق عليه من حديث أبي موسى ومعاذ , اللؤلؤ والمرجان (1130).
(7) متفق عليه من حديث أنس , اللؤلؤ والمرجان (1131).
(8) رواه الطبراني عن أبي أمامة وفي سنده راو ضعيف كما في الزوائد(4/302)وقدر رواه الخطيب وغيره عن جابر من طريق ضعيف ,وفي فيض القدير :لكن له طرق ثلاث ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة الحسن , انظر غاية المرام للألباني حديث(8) , وذكره الحافظ في الفتح (2:444) عن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة في قصة لعب الحبشة وفيه "ليعلم يهود أن في ديننا فسحة , إني بعثت بحنيفية سمحة ". ويشهد له ما رواه أحمد عن ابن عباس , وقيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الأديان أحب إلى الله ,قال: الحنيفية السمحة", وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار , وفيه ابن إسحاق وهو مدلس , ولم يصرح بالتحديث (1/0) وعلقه البخاري في صحيحه .
(9) الحديث ذكره الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) وقواه لتعدد طرقه(ج1/163ـ164) ط. دار الكتب العلمية بيروت , وكذلك العلامة ابن الوزير الذي استظهر صحته أو حسنه , لكثرة طرقه مع ما نقل من تصحيح الإمام أحمد له , والحافظ ابن عبد البر , وترجيح العقيلي لإسناده , مع سعة اطلاعهم وأمانتهم فهذا يقنعني التمسك به . انظر : الروض الباسم في الدب عن سنة أبي القاسم (21ـ1:23)ط.دار المعرفة بيروت . وانظر أيضا :الروض البسام في تخريج فوائد تمام .
(10) رواه احمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس , كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته(2680) .
(11) رواه مسلم في كتاب العلم من صحيحه(2670).
(12) نقل ذلك منكرا ومنددا , الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على(الأجوبة الفاضلة) للكنوي ص133,134 ط. ثانية , القاهرة ,1984م .
(13) الاعتصام للشاطبي ج/235ـ 237.
(14) ومن هؤلاء :د. محمد مصطفى الأعظمي الذي رد على (شاحت) والشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني صاحب كتاب "النوار الكاشفة" والشيخ محمد عبد الرازق حمزة صاحب كتاب "ظلمات أبي رية" والشيخ محمد أبو شهبة صاحب كتاب" دفاع عن السنة " والدكتور عجاج الخطيب و كتابه " السنة قبل التدوين" وكذا كتابه ع أبي هريرة وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم.
(15) انظر صحيح الجامع الصغير (1261) , وقد زعم بعضهم أن ضعيف , وهو كذلك من طريق عائشة , وليس من الطريقين المذكورين .
(16)رواه البخاري ومسلم عن عائشة , والمصدر السابق(1288) .
(17) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود . نفسه(1275) .
(18) رواه أحمد ومسلم عن سعد بن أبي وقاص . نفسه(1882) .
(19) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . انظر الحديث الأول من تخريج مشكلة الفقر .
(20) رواه الحاكم والبيهقي في الدعء عن انس . صحيح الجامع (1285) .
(21) رواه أبو داود في كتاب الملاحم من سننه برقم (4270) والحاكم في المستدرك (4/522) والبيهقي في معرفة السنن والاثار وغيرهم , وصححه العراقي والسيوطي كما في فيض القدير (282/2) .
(22) انظر : بحثنا :"تجديد الدين في ضوء السنة " بالعدد الثاني من مجلة بحوث السنة والسيرة في قطر ص 29 . وقد نشر في كتاب "من اجل صحوة راشدة" نشر المكتب الإسلامي بيروت .
(23) من كتاب (الإيمان) لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوي ج7/314ـ316 .
(24) تورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج10/190) وقال :رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . أ هـ . أما دخول المراة النار بسبب حبس الهرة فقد رواه عن أبي هريرة الشيخان وغيرها , انظر : صحيح الجامع الصغير(3374) .
(25),(26) انظر : صحيح الجامع الصغير وزيادته , الحديث : (3995,3996) .
معالم وضوابط
الدكتور يوسف القرضاوي
الباب الثاني
السنة ..
مصدرا للفقيه والداعية