الثلاثاء، 12 مارس 2013

فريضة الزكاة


كتبهامصطفى الكومي ، في 16 سبتمبر 2010 الساعة: 14:06 م

العدالة الاجتماعية في الإسلام
سياسة المال في الإسلام
الشهيد سيد قطب
فريضة الزكاة
والآن نتحدث عن الزكاة , الركن الاجتماعي البارز من أركان الإسلام , فحديث الزكاة أدخل شيء في سياسة المال في الإسلام .
الزكاة حق المال , وهي عبادة من ناحية , وواجب اجتماعي من ناحية أخرى ؛ فإذا جرينا على نظرية الإسلام في العبادات والاجتماعيات , قلنا أنها واجب اجتماعي تعبدي ؛ لذلك سماها "زكاة" , والزكاة طهارة ونماء . فهي طهارة للضمير والذمة بأداء الحق المفروض . وهي طهارة للنفس والقلب من فطرة الشح وغريزة حب الذات , فالمال عزيز , والملك حبيب , فحين تجود النفس به للآخرين , إنما تطهر وترتفع وتشرق . وهي طهارة للمال بأداء حقه وصيرورته بعد ذلك حلالاً . ولأن في الزكاة معنى العبادة , بلغ من لطف حس الإسلام ألا يطلب إلى أهل الذمة من أهل الكتاب أداءها , واستبدل بها الجزية ليشتركوا في نفقات الدولة العامة , دون أن تفرض عليهم عبادة خاصة من عبادات الإسلام إلا أن يختاروها.
والزكاة حق الجماعة في عنق الفرد , لتكفل لطوائف منها كفايتها أحيانا , وشيئاً من المتاع بعد الكفاف أحياناً , وبذلك يحقق الإسلام جانباً من مبدئه العام : "..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .." .. ذلك أن الإسلام يكره للناس الفقر والحاجة ؛ ويحتم أن ينال كل فرد كفايته من جهده الخاص وموارده الخاصة حين يستطيع , ومن مال الجماعة حين يعجز لسبب من الأسباب .
ويكره الإسلام الفقر والحاجة للناس لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية ليفرغوا لما هو أعظم ؛ ولما هو أليق بالإنسانية وبالكرامة التي خص الله بها بني آدم : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(الإسراء70) .
لقد كرمهم فعلاً بالعقل والعاطفة , بالأشواق الروحية إلى ما هو أعلى من ضروريات الجسد فإذا لم تتوافر لهم من ضرورات الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية , ولهذه المجالات الفكرية , فقد سلبوا ذلك التكريم ؛ وارتكسوا إلى مرتبة الحيوان. لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالباً وإن بعض الحيوان ليختال ويقفز ويمرح , وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق فرحاً بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب .
فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله , ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان , فضلاً على ما يجب للإنسان الذي كرمه الله .  
فإذا قضى وقته وجهده , ثم لم ينل كفايته , فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عماً أراد به الله ؛ والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها , بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله , لأنها تخالف عن إرادة الله .
إن الإنسان خليفة الله في أرضه ؛ قد استخلفه عليها لينمي الحياة فيها , ويرقبها ؛ ثم لجعلها ناضرة بهيجة ؛ ثم ليستمتع بجمالها ونضرتها ؛ ثم ليشكر الله على أنعمه التي آتاه .
والإنسان لن يبلغ من هذا كله شيئاً ؛ إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة ولو كانت كافية فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية ؟
ويكره الإسلام أن تكون الفوارق بين أفراد الأمة بحيث تعيش منها جماعة في مستوى الترف , وتعيش جماعة أخرى في مستوى الشظف , ثم أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري . فهذه أمة غير مسلمة , والرسول يقول : " أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله "(1) .. أو يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) ..يكره الإسلام هذه الفوارق لما ورائها من أحقاد وأضغان تحطم أركان المجتمع ؛ ولما فيها من أثرة وجشع وقسوة تفسد النفس والضمير ؛ ولما فيها من اضطرار المحتاجين : إما إلى السرقة والغصب , وإما إلى الذل وبيع الشرف والكرامة … وكلها منحدرات يتجافى الإسلام بالجماعة عنها .
ويكره الإسلام أن يكون المال دولة بين الأغنياء في الأمة وألا تجد الكثرة ما تنفق .
لأن ذلك ينتهي في النهاية بتجميد الحياة والعمل والإنتاج في هذه الأمة . بينما وجود الأموال في أيدي أكبر عدد منها يجعل هذه الأموال تنفق في شراء ضروريات الحياة لهذا العدد الكبير ؛ فيكثر الإقبال على السلع , فينشأ من هذا كثرة الإنتاج , فترتب عليها العمالة الكاملة للأيدي العاملة .. وبذلك تدور عجلة الحياة والعمل والإنتاج والاستهلاك دورتها الطبيعية المثمرة …
لهذه المعاني جميعها شرع الزكاة ؛ وجعلها فريضة في المال , وحقاً لمستحقيها , لا تفضلاً من مخرجيها ؛ وحدد لها نصاباً في المال يجعل الواجدين جميعاً يشتركون في أدائها . ذلك أن أقصى حد للإعفاء منها عشرون مثقالاً ذهباً أي ما يعادل ثلاثين جنيهاً بعملتنا على أن تكون فائضة عن الحاجات الضرورية لمالكيها وعن الدين وحال عليها الحول . وذلك بديهي لأن الإنسان لا يطالب بالزكاة وهو مستحق للزكاة ! أما في الزرع والثمار فهي موسمية موقوتة بمواسم الحصاد , وهي في عروض التجارة تقوم بالذهب والفضة , وفي الحيوان بنسب معينة تعادل نسبتها في المال , وهي ريع العشر على وجه التقريب . وفي الركاز الخمس . على خلاف في أنواع الركاز أتكون لصاحب الأرض أم للجماعة ….
أما المستحقون لها فهم كما نص عليهم القرآن :
 الفقراء , وهم الذين يملكون أقل من النصاب , أو يملكون نصاباً مستغرقاً في الدين , وظاهر أن هؤلاء يملكون شيئاً , ولكنه شيء قليل , والإسلام يريد أن ينال الناس كفايتهم , وشيئاً فوق الكفاية يعينهم على المتاع بالدنيا على قدر الإمكان .
والمساكين . وهم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً . وهم بطبيعة الحال أجدر بالعطاء من الفقراء . ولكني ألمح أن ذكر الفقراء قبلهم في الآية يرمي إلى أن وجود شيء قليل لا يكفي , فكأنهم كالمساكين , لأن هدف الإسلام ليس مجرد الكفاف الضروري . ولكن شيء فوق الكفاف كما قدمت .
 والعاملون عليها وهم جباتها , وهؤلاء ـ وإن كانوا ـ يعطون جزاء العمل , فهو راتب الوظيفة وذلك داخل في نظام الجهد والأجر , لا في باب الحاجة وسدها .
والمؤلفة قلوبهم . وهم الذين كانوا دخلوا في الإسلام حديثاً لتقوية قلوبهم , واجتذاب من عداهم . ولكن هذا المصرف قد أقفل بعد أن أعز الله الإسلام عقب حروب الردة في أيام أبي بكر ولم يعد الإسلام في حاجة إلى تأليف القلوب بالمال . ومع أن هؤلاء قد نصت عليهم آية قرآنية , فإن عمر لم يجد حرجا في التصرف .
وفي الرقاب . وهم الأرقاء المكاتبون , الذين يستردون حريتهم نظير قدر من المال متفق عليه مع مالكيهم تيسيراً لهم لينالوا الحرية .
والغارمين . وهم الذين استغرق الدين ثرواتهم , على ألا يكون هذا الدين في معصية فلا يكون الترف وما يشبه سبباً فيه . وإعطائهم قسطاً من الزكاة فيه سداد لديونهم , وتخليص رقابهم منها , وفيه إعانة لهم على الحياة الكريمة .
وفي سبيل الله . وهو مصرف عام تحدده الظروف , ومنه تجهيز المجاهدين , وعلاج المرضى , وتعليم العاجزين عن التعليم ,وسائر ما تحقق به مصلحة لجماعة المسلمين . والتصرف في هذا الباب يتسع لكل عمل اجتماعي في سائر البيئات والظروف .
وابن السبيل . وهو المنقطع عن ماله الذي لا يجد ما ينفق , كالمهاجرين من الحروب والغارات والاضطهاد , الذين خلفوا أموالهم ورائهم , ولا سبيل لهم إلى الأموال .
والإسلام لا يقرر لهذه الطوائف حقها في الزكاة إلا بعد أن تستنفذ هي وسائلها الخاصة في الإرتزاق ؛ فالإسلام حريص على الكرامة الإنسانية ومن هو حريص على أن يكون لكل فرد مورد رزق يملكه ولا يخضع فيه للجماعة !
لذلك حث على الاستغناء عن طريق العمل وجعل واجب الجماعة الأول أن تهيئ العمل لكل فرد فيها . فقد جاء سائل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  يستجديه , فأعطاه درهما وأمره أن يشتري به حبلاً ليحتطب به فيعيش من عمل يده . وقال :" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه "(3) .
فهذه الإعانة من الزكاة هي وقاية اجتماعية أخيرة , وضمانة للعاجز الذي يبذل طوقه ثم لا يجد , أو يجد دون حق الكفاية , أو يجد , مجرد الكفاف , ثم هي وسيلة لأن يكون المال دولة بين الجميع لتحقيق الدورة الكاملة السليمة للمال بين الإنتاج و الاستهلاك والعمل من جديد … وفي هذا يجمع الإسلام بين الحرص على أن يعمل كل فرد بما في طاقته , وألا يرتكن على الإعانة الاجتماعية فيتبطل ؛ والحرص على أن يعين المحتاج بما يسد خلته , ويرفع عنه ثقل الضرورة ووطأة الحاجة , وييسر له الحياة الكريمة ثم الحرص على ضمان الدورة الصحيحة لرأس مال الأمة كما أسلفنا .
إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكامل المتضامن الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته .
وقد بهتت صورة "الزكاة" في حِسنا وحِس الأجيال التعيسة التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقاً في عالم الواقع ؛ ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية , فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة , ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية . ويجعل "الزكاة" قاعدة هذا النظام , في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي , أو التعاون البريء من الربا !
وبهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي , القائم على الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح , والتكالب والتطاحن , والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس , فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات , ما لم يكن لهم رصيد من المال ؛ أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به , ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية , فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ؛ وأن الحياة لا تقوم إلا على الأساس . !
بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحساناً فردياً هزيلاً , لا ينهض على أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة , وهي تتناول اثنين ونصف في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها(4) ؟ ويؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة , ويربيهم تربية خاصة ,بالتوجيهات والتشريعات وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه !وتحصلها الدولة المسلمة , حقاً مفروضاً , لا إحساناً فردياً : وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة ؛ حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ؛ وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان ديناً تجارياً أو غير تجاري , من حصيلة الزكاة .
وليس المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه , متناسق مع شكل النظام وإجراءاته , متكامل مع التشريعات والتوجيهات , ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معاً متناسقة متكاملة . وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى . ولكنها حقيقة نعرفها نحن ـ أهل الإسلام ـ ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم ـ وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها ـ فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به :"..الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ.."
(البقرة277)..ليُحرموا من الطمأنينة والرضى , فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وعنادهم يُحرمون !

الشهيد سيد قطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)مسند أحمد شاكر(4880) (2)متفق عليه .   (3) الشيخان
(4) ترتفع هذه النسبة إلى 5% وإلى 10% وإلى 20% في الزروع و الكنوز
سياسة المال في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

فرائض غير الزكاة


كتبهامصطفى الكومي ، في 16 سبتمبر 2010 الساعة: 14:12 م

 العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
سياسة المال في الإسلام
فرائض غير الزكاة
..ومع ذلك فالزكاة ليست وحدها حق المال …
وإنا لنلحظ شبه تواطؤ بين من يتحدثون عن الزكاة في هذه الأيام , على اعتبارها الحد الأقصى الذي يطلبه الإسلام دائماً من رؤوس الأموال ! لذلك ينبغي أن نكشف هذا التواطؤ الذي يتعمده رجال الدين المحترفين ؛ كما يتعمده من يريدون إظهار النظام الإسلامي بأنه غير صالح للعمل في عصر " الحضارة"!
إن الزكاة هي الحد الأدنى المفروض في الأموال , حين لا تحتاج الجماعة إلى غير حصيلة الزكاة فأما حين لا تفي , فإن الإسلام لا يقف مكتوف اليدين , بل يمنح الإمام الذي ينفذ شريعة الإسلام , سلطات واسعة للتوظيف في رؤوس الأموال ـ أي الأخذ منها بقدر معلوم ـ في الحدود اللازمة للإصلاح . ويقول بصريح الحديث :"إن في المال حقاً سوى الزكاة"(1) .
ودائرة "المصالح المرسلة" "وسد الذرائع" دائرة تشمل تحقيق كافة المصالح للجماعة , وتضمن دفع جميع الأضرار .
ونحن نكتفي في بيان حدودها بما ورد عنهما في كتاب :"الإمام مالك"للأستاذ الشيخ "محمد أبو زهرة" أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.
والمصالح المرسلة : " إن المصالح التي ليس لها نص خاص يشهد لنوعها بالاعتبار تسمى المصالح المرسلة , وكونها أصلاً فقهياً موضع اعتبار بين الفقهاء , وقد ادعى القرافي أن الفقهاء جميعا أخذوا بها واعتبروها دليلاً في الجزئيات , وإن أنكر أكثرهم كونها أصلاً في الكليات وقد قال في ذلك :
" المصلحة المرسلة , غيرنا يصرح بإنكارها , ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمطلق المصلحة , ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار , بل يعتمدون على مجرد المناسبة , وهذا هو المصلحة المرسلة ".
" وسواء أصحت تلك الدعوى أم لم تصح , فمن المؤكد أن اعتبار المصالح التي لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار ـ نظر العلماء إليها يختلف , فإن لم يكن في أصل الأخذ , فعلى الأقل في مقدار الأخذ كما يحسب القرافي.
"وقد انقسمت أقوال العلماء في ذلك إلى أربعة أقسام :
"(القسم الأول) الشافعية ومن نحا نحوهم , وهؤلاء لا يأخذون بالمصالح المرسلة التي لا يوجد شاهد من الشارع باعتبارها , لأنهم لا يأخذون إلا بالنصوص , والحمل عليها بالقياس الذي يكون أساسه وجود ضابط يضبط ما بين الأصل والفرع ,أي ما بين المنصوص عليه , والملحق به , وإن سايرنا القرافي فإننا نقول : إنه يندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة من غير قياس .
"(القسم الثاني) الحنفية ومن شاكلهم ممن يأخذون بالاستحسان مع القياس , فإن الاستحسان مهما يكن قولهم فيه لا يخلو من اعتماد على المصالح المطلقة , ولو أنصفنا الحقيقة لقلنا : إن مجيء المصالح في استنباطهم أكثر من الشافعية , وإن كان القدر في ذاته قليلاً , حتى تحسب تلك المصالح أصلاً من أصولهم لندرة اعتمادهم المجرد عليها.
"(القسم الثالث) الغلاة في الأخذ بالمصالح , حتى قدموا المصلحة على النص في معاملات الناس , واعتبروها مخصِصة له , بل اعتبروها مخصصة للإجماع , أي أن العلماء إذا أجمعوا على أمر بنص , ووجد مخالفاً للمصلحة في بعض وجوهه قدم اعتبار المصلحة , واعتبر ذلك تخصيصاً , وقد قال هذا القول الطوفي.
"(القسم الرابع) المعتدلون , وهم الأصح بصراً , وأولئك اعتبروا المصالح المرسلة في غير موارد النص المقطوع به , وأولئك أكثر المالكية .
" وكان مالك في أخذه بالمصالح المرسلة أصلاً مستقلاً متبعاً لا مبتدعاً.
1ـ "فقد وجد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون بأمور من بعده لم تكن على في عهده , فجمعوا القرآن الكريم في المصحف , ولم يكن ذلك في عهد الرسول , لأن المصلحة تقاضتهم ذلك الجمع , إذ خشوا أن ينسى القرآن بموت حفاظهم , وقد رآهم عمر رضي الله عنه يتهافتون في حرب الردة , فخشي نسيان القرآن بموتهم فأشار على أبي بكر بجمعه في المصحف , واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه .
2ـ "اتفق أصحاب الرسول من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة , مستندين في ذلك إلى المصالح , أو الاستدلال المرسل , إذ رأوا الشرب ذريعة إلى افتراء وقذف المحصنات , بسبب الهذيان .
3ـ "واتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع , مع أن الأصل أن أيديهم على الأمانة , ولكن وجد أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم , وفي الناس حاجة شديدة إليهم , فكانت المصلحة في تضمينهم , ليحافظوا على ما تحت أيديهم ؛ ولذلك قال علىّ في تضمينهم :"لا يصلح الناس إلا ذاك ".
4ـ "وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم , لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التي استفادوها بسلطان الولاية , وذلك من باب المصلحة المرسلة أيضاً لأنه رأى في ذلك صلاح الولاة , ومنعهم من استغلال سلطان الولاية لجمع المال . وجر المغانم من غير حل .
5 ـ "وحكى عنه ـ رضي الله عنه ـ أنه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديباً للغاش , وذلك من باب المصلحة العامة , لكيلا يغشوا الناس .
6ـ " وقد نقل عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله لأن المصلحة تقتضي ذلك , إذ لا نص في الموضوع , ووجه المصلحة أن القتيل معصوم , وقد قتل عمداً , فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص , واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل , إذا عُلم أنه لا قصاص فيه , فإن قيل : هذا أمر بدعي , وهو قتل غير القاتل , لأن كل واحد لا يعد قاتلاً بمفرده , قيل في رد ذلك إن القاتل : الجماعة من حيث الاجتماع , فقتلها كلها قتل كالقاتل بمفرده , إذ القتل مضاف إليها كإضافته إلى الشخص الواحد , فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد , وقد دعت إلى المصلحة , إذ فيه حقن الدماء , وصيانة المجتمع …
"ومن ملاحظة المصلحة في المسائل العامة أنه إذا خلا بيت المال , أو ارتفعت حاجات الجند , وليس فيه ما يكفيهم , فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال , إلى أن يظهر مال في بيت المال , أو يكون فيه ما يكفي , ثم له أن يجعل هذه الوظيفة في أوقات حصاد الغلات , وجنى الثمار , لكيلا يؤدي تخصيص الأغنياء إلى إيحاش قلوبهم . ووجه المصلحة أن الإمام العادل لو لم يفعل ذلك لبطلت شوكته , وصارت الديار عرضة للفتنة وعرضة للاستيلاء عليها من الطامعين فيها , وقد يقول قائل : إنه بدل أن يقوم الإمام بفرض هذه الوظيفة يستقرض لبيت المال , وقد أجاب الشاطبي فقال :"الاستقراض في الأزمات , إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل يُنتظر , وأما إذا لم ينتظر شيء , وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني , فلا بد من جريان حكم التوظيف" .
الذرائع :"الذريعة معناها الوسيلة . ومعنى سد الذرائع رفعها , ومؤدى الكلام أن وسيلة المحرم محرمة , ووسيلة الواجب واجبة , فالفاحشة حرام , والنظرة إلى عورة الأجنبية حرام , ولأنها تؤدي إلى الفاحشة ؛ والجمعة فرض , فالسعي لها فرض , وترك البيع لأجل السعي فرض أيضاً ؛ والحج فرض والسعي إلي بيت الله الحرام وسائر مناسك الحج فرض لأجله .
"والأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال , وما تنتهي في جملتها إليه , فإن كانت تتجه نحو المصالح التي هي المقاصد والغايات من معاملات بني الإنسان بعضهم مع بعض كانت مطلوبة بمقدار يناسب هذه المقاصد , وإن كانت لا تساويها في الطلب . وإن كانت مآلاتها تتجه نحو المفاسد , فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المفاسد , وإن كان مقدار التحريم أقل في الوسيلة .
"والنظر في هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته , بل إلى نتيجة العمل وثمرته , وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب في الآخرة وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل , أو يقبح , ويطلب أو يمنع , لأنها الدنيا قامت على مصالح العباد , وعلى القسطاس والعدل ,وقد يستوجبان النظر إلى النتيجة والثمرة دون النية المحتسبة , والقصد الحسن فمن سب الأوثان مخلصاً لله سبحانه وتعالى فقد احتسب نيته عند الله في زعمه , ولكنه سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار ذلك حنق المشركين , فسبوا الله تعالى , فقد قال تعالت كلماته :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .." (الأنعام108). فهذا النهي الكريم كان الأمر الملاحظ فيه هو النتيجة الواقعة , لا النية المحتسبة . ونرى من هذا المنع فيما يؤدي إلى الإثم , أو إلى الفساد , لا يتجه إلى النية المخلصة فقط , بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً , فيمنع لنتيجته , وإن كان الله قد علم النية المخلصة .
"وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح , فيكون آثماً فيما بينه وبين الله , ولكن ليس لأحد عليه سبيل , ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعي , كمن يرخص في سلعته , ليضر بذلك تاجراً ينافسه , فإن هذا بلا شك عمل مباح , وهو ذريعة إلى إثم هو الإضرار بغيره وقد قصده ؛ ومع ذلك لا يحكم على عمله بالبطلان بإطلاق , ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذي ينفذه القضاء , فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر , ومن ناحية الظاهر قد يكون ذريعة للنفع العام والخاص , فإن البائع بلا شك ينتفع من بيعه , ومن رواج تجارته , ومن حسن الإقبال عليه , وينتفع العامة من ذلك الرخص , وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار .
"فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت , بل يقصد مع ذلك على النفع العام أو إلى دفع الفساد العام , فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد أو إلى النتيجة وحدها.
"وقد ثبت أصل الذرائع بالقرآن والسنة . أما القرآن فقوله تعالى :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ..". فيروى أن المشركين قالوا : لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسب إلهك . وقوله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا .."(البقرة104) ,لأن قصد المسلمين كان حسناً ,ولكن اليهود اتخذوه ذريعة إلى شتمه عليه السلام .
"أم السنة فإن أقوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتاوي أصحابه فيها كثير , منها كفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل المنافقين , لأنه ذريعة إلى قول الكفار : إن محمداً يقتل أصحابه .
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى المقرض عن قبول الهدية من المدين حتى يحسبها من دينه , وما ذاك إلا ليتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدَّين لأجل الهدية , فتكون ربا , فإنه يعود إليه ماله , وقد اكسب الفضل الذي آل إليه بالإهداء .
" ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى اتجاه المحدود إلى المحاربين فيفر إليهم ؛ ولمثل ذلك لا تقام الحدود في الغزو حتى لا تدفع حرارة الضرب إلى الضلال , وهو منه قريب .
" ومنها أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وَرَّثوا المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت , حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث , وإن لم يثبت قصد الحرمان , لأن الطلاق ذريعة.
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الاحتكار , وقال : "من احتكر فهو خاطيء"(2) فإن الاحتكار ذريعة إلى أن يضيق على الناس , وكل ما يعد ضرورياً لهم , ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضر الناس كأدوات الزينة ونحوها , مما لا يدخل في الضروريات ولا الحاجيات .
"ومنها أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع المتصدق شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق , سدا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه . وإن المتصدق إذا منع من أخذ صدقته بعوضها , فأخذها بغير عوض أشد منعاً , وإن في تجويز أخذها بعوض ذريعة إلى التحايل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله , ثم يشتريها بأقل من قيمتها ؛ ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء من حاجته , فتسمح نفسه بالبيع .
"وهكذا كثرت الآثار الواردة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه , وقد ساق بن القيم في "إعلام الموقعين" نحو تسعين شاهداً من الآثار , ثبت فيها النهي سداً للذرائع .
"ولقد عدت الذرائع في شرائع الإسلام نصفها".
*    *    *
مبدأ المصالح المرسلة , ومبدأ سد الذرائع , عند تطبيقها في محيط أوسع , يمنحان الإمام الذي ينفذ شريعة الله سلطة واسعة لتدارك كل المضار الاجتماعية , بما في ذلك "التوظيف" في الأموال . رعاية للصالح العام للأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة .
فمبدأ حق الملكية الفردية في الإسلام , لا يمنع تبعاً لهذا أن تأخذ الدولة نسبة من الربح أو نسبة من رأس المال ذاته . على أن تظل قاعدة النظام الإسلامي مرعية . وهي أن تكون للناس ملكياتهم الخاصة , واستثماراتهم الخاصة , مقيدة بطرق التنمية المشروعة . وأن يكون التوظيف في الأموال الخاصة . بقدر الضرورة . بقدر الضرورة الطارئة حتى لا تستوحش قلوب الناس , ولا تفتر همتهم , ولا يقل اهتمامهم بتنمية الثروة وتحسين الإنتاج .. وقبل ذلك كله , وأهم من ذلك كله أن تبقى لهم طمأنينتهم على أرزاقهم , وألا يصبحوا عبيداً للدولة يخشون إن هم نصحوها أو عارضوها قطع أرزاقهم . فالمسلم ـ كل مسلم ـ مكلف أن يراقب الحاكم , وأن يكفه عن الانحراف عن شريعة الله .. فأنى له هذا إذا كان رزقه ليس في يده . ولا مال له إلا ما يسمح له به ؟!
وبيان هذا ضروري , لكشف هذا التواطؤ الذي يبدو في تركيز القول كله حول الزكاة , كأنما هي كل حق المال في الإسلام , وكشف أولئك المحترفين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً . وما يأكلون في بطونهم إلا النار ! وكشف أولئك الذين يصغرون من شأن الضمانات في النظام الإسلامي , ويقولون بعدم كفايتهم , ليقولوا بعد ذلك بعدم كفاية النظام الإسلامي للحياة الحديثة !
وكله رجم وافتراء , وجهل بحقيقة الإسلام , ونظام الإسلام , وبالواقع التاريخي الذي سجله هذا النظام …
*    *    *
وبعد فنحن لا نكتب هنا عن " النظام الاقتصادي في الإسلام" حتى نلم بكل جوانب هذه النظام . إنما نحن نكتب عن "سياسة المال" فيما يتعلق بموضوع "العدالة الاجتماعية".. وحقيقة أنه لا يمكن فصل جانب عن جانب في المنهج الإسلامي الشامل المتكامل للحياة ؛ ولكن طبيعة الموضوع الذي يعالجه هذا الكتاب لا تسمح بالتوسع أكثر من هذا في عرض تفصيلات "النظام الاقتصادي الإسلامي".
فنكتفي إذن بالقول بان القواعد الأساسية لهذا النظام تتلخص في :
1ـ قيامه على أساس قاعدة " الاستخلاف المشروط".. فالله سبحانه هو الخالق المالك لكل ما في الأرض من أقوات وأرزاق وأموال .. وقد استخلف في الأرض "الإنسان" كجنس ـ على شرط أن يتصرف في هذا الملك بشريعة الله . فأيما خروج على هذا الشرط فهو مبطل للتصرف , ناقض لعهد الاستخلاف.
2ـ أن الاستخلاف عام .. ولكن الأفراد يحصلون على حق "الملكية الفردية" مقابل "عمل" .. ومن يملّكهم الشارع ـ سبحانه وتعالى ـ قسماً معيناً من المال .. ويحوط هذا الحق بكل الضمانات , التي تجعل الفرد عزيزاً كريماً مطمئناً على رزقه , كي يتفرغ للقيام بواجبه في رقابة تنفيذ شريعة الله .
3ـ أن الملكية الفردية ـ مع قاعدة هذا النظام ـ مقيدة بشروط في وسيلة التملك ووسيلة التنمية ووسيلة الإنفاق . تتحقق بها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة . وتمنع من طغيان الفرد أو طغيان الجماعة ..
4ـ أن التكافل ـ مع الاحتفاظ بقاعدة الملكية الفردية ـ هو قاعدة الحياة في الأمة المسلمة . وهذه القاعدة تفرض تكاليف ذكرناها على الملكية الفردية , مبينة في الشريعة . وفيها الكفاية تماماً لتحقيق هذا التكافل العام.
5 ـ أن العدالة الاجتماعية تتحقق عن طريق هذا النظام بأفضل مما تتحقق في أي نظام من صنع البشر فيه الخطأ والصواب .

الشهيد سيد قطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1) الترمذي   (2)مسلم وأبو داود والترمذي .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

من الواقع التاريخي في الإسلام(2)


كتبهامصطفى الكومي ، في 6 أكتوبر 2010 الساعة: 10:28 ص

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
من الواقع التاريخي في الإسلام(2)
وبعد فلعل مما يتصل بالمساواة الإنسانية والتحرر الوجداني والعدالة المطلقة أن نتحدث عن الواقع التاريخي في معاملة البلاد المفتوحة , والطوائف غير الإسلامية في بلاد الإسلام .
فهذا لون من المساواة والعدل يتجاوز الأفراد إلى الجماعات ؛ ويتجاوز حدود الإسلام إلى حدود الإنسان .
عن الحديث عن البلاد المفتوحة ليسوقنا إلى الحديث عن طبيعة الفتح الإسلامي وأسبابه وغاياته . وهو مبحث طويل . نجتزئ منه بالقليل الذي لا بد منه , والذي له علاقة وثيقة بالعدالة الاجتماعية في محيطها الإنساني .
لقد قامت دعوة الإسلام على مخاطبة العقل والضمير والوجدان ؛ وتجردت من وسائل القهر , حتى القهر المعنوي بالخوارق المعجزة التي صاحبت الأديان الأولى ؛ فالإسلام هو الدين الذي احترم القوى المدركة الشاعرة في الإنسان , فاكتفى بخطابها بلا قهر ولا إعجاز بخوارق الطبيعة , فمن باب أولى ألا يجعل القهر المادي بالسيف أداة من أدواته .. " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .." (البقرة256).." ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.." (النحل125) ولكن قريشاً وقفت أول الأمر بالقوة المادية في طريق الدين الجديد ؛ آذت من شرح الله صدره للإسلام ؛ وشردت المسملين القلائل من أرضهم وديارهم وأبنائهم ؛ وتآمرت عليهم أن تقاطعهم في الشُعُب حتى يهلكوا جوعاً ؛ ولم تدع وسيلة من وسائل القوة المادية إلا استخدمتها للصد عن هذا الدين فلم يكن بد أن يدفع الإسلام عن نفسه , وأن يرد هذا الظلم عن أهله: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ "(الحج39).."وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "(البقرة190).
ثم خلصت جزيرة العرب للإسلام , فامتدت الفتوح إلى ما وراء الجزيرة . ففيم كانت هذه الفتوح ؟
إن الإسلام كما أسلفنا عقيدة عالمية , ودين عام ؛ فهو لا يحصر نفسه في حدود الجزيرة , إنما يريد أن يفيض على الإنسانية كلها في جميع أقطارها . ولكنه يجد أمامه قوة الدولة في إمبراطوريتي كسرى وقيصر المتاخمتين له , تقف له بالمرصاد ؛ فلا تسمح لدعاته أن ينتشروا في الأرض , ليكشفوا للناس عن حقيقة هذا الدين . ولا بد له أن يزيل هذه القوة ـ قوة الدولة ـ ويقيم مكانها النظام الإسلامي القائم على عبودية الناس لله وحده , وخروجهم من العبودية للعباد , ليخلي بين الهدي والناس , وليسمع كلمته الخالصة ؛ فمن شاء استمع إليها وهو حر الإرادة ؛ ومن شاء أعرض عنها وهو مالك لأمر نفسه , بعد أن تزول قوة الدولة المادية من الطريق . وبعد أن تصبح الدينونة لله وحده ـبسيادة شريعته ونظامه ـ ولا تكون لأحد من العباد . وهذا معنى أن يكون " الدين" كله لله حسب التعبير القرآني الكريم :" وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .."(الأنفال39) فالدين هنا الدينونة . والمقصود به أن تكون حاكمية الله وحدها التي يدين لها الناس , وأن يخرجوا من حاكمية العباد ثم يختاروا عقيدتهم بلا إكراه …
هذه الفتوح الإسلامية إذن لم تكن غزواً للشعوب بالقوة ؛ ولا استعماراً للاستغلال الاقتصادي على نسق الاستعمار في القرون الأخيرة . إنما كانت إزالة للقوة المادية للدولة التي تحول دون الشعوب ودون العقيدة الجديدة . كانت غزواً روحياً للشعوب , وغزواً مادياً للحكومات التي تقهر هذه الشعوب , وتصدها عن الدين الجديد بالقوة المادية والجبروت , وتخضعها للمتألهين من الحكام .
وتبعاً لحقيقة أن الإسلام دين للبشر كافة وأنه لا يعتمد على القهر المادي , وإنما وضع شعوب الدنيا أمام ثلاث طرق , لكل أن يسلك إحداها : الإسلام أو الجزية أو القتال .
فأما الإسلام , فلأنه الهدى ولأنه التصور الجديد الكامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان ؛ وهو المجاز الذي يعبره غير المسلم , فإذا هو منذ اللحظة الأولى أخ لجميع المسلمين , له ما لهم ولهم وعليه ما عليهم , ولا يرتفعون عليه بحسب أو نسب أو مال أو جاه , ولا يختلف عنهم بجنس أو لون أو أمة أو عشيرة .
وأما الجزية , فلأن الفرد المسلم يؤدي ضريبة الدم لحماية الدولة ؛ ثم يؤدي للدولة الزكاة لحماية المجتمع . والفرد غير المسلم يتمتع بالأمن في ظل الدولة الإسلامية , وبالحماية الداخلية والخارجية , وبسائر المرافق التي تهيئها الدولة للسكان , وكما يتمتع بالضمان الاجتماعي عند العجز والشيخوخة . فيجب عدلاً أن يساهم في هذا كله بالمال . ولما كانت الزكاة عبادة إسلامية فوق أنها فريضة مالية , فإن الإسلام ـ زيادة في حساسيته تجاه الذين لا يعتنقونه ـ لم يشأ أن يرغمهم على أداء عبادة إسلامية , فأخذ منهم الفريضة المالية في صورة جزية , لا في صورة زكاة , منظوراً في تقديرها إلى ضريبة الدم التي لا يؤديها إلا المسلمون . وهذا ما يهدف إليه الإسلام .
وأما القتال ؛ فلأن إباء الإسلام والجزية دليل على الإصرار الواضح على الحيلولة دون الإسلام وأفكار الناس . فيجب إذن أن يزال هذا الإصرار المادي بالقوة المادية , لأن هذا هو الطريق الوحيد الأخير .
ولقد حقق الإسلام أهدافه كاملة في البلاد المغزوة ؛ فكفل لأهلها المساواة المطلقة بأهل الجزيرة في حالة الإسلام ؛ وكفل لهم حقوق الإنسان الكريمة في حالة دفع الجزية ؛ وكفل لهم معاملة الإنسانية العادلة في حالة القتال .
وأقر الإسلام بعض حكام البلاد المفتوحة على حكمها إذ صاروا من المسلمين .فهذا "بازان" الفارسي يقره أبو بكر على حكم اليمن . وهذا "فيروز" يقيمه حاكماً على صنعاء , فلما أجلاه عنها قيس بن عبد يغوث العربي , رده إليها أبو بكر منتصراً للمسلم الفارسي على المسلم العربي !
كذلك أقر الحكام المسلمون كثيراً من الموظفين في بلادهم المفتوحة على وظائفهم التي هي دون الولاية , ممن بقوا على دينهم ولم يسلموا , وأخلصوا في العمل للصالح العام .
ومع أن نصوص الإسلام تبيح للفاتحين أن يستأثروا بكل ما يملك المحاربون الذين يأبون الإسلام والجزية ويقاتلون المسلمين , فإن عمر بن الخطاب حين فتحت فارس على أيامه تصرف بما أملته عليه روح الإسلام , فاستبقى الأرض لأهلها وفرض عليها الخراج , مراعياً في ذلك مصلحتين : مصلحة أهل البلاد المفتوحة ـ ولو أنهم قاتلوا المسلمين ـ لتبقى لهم وسيلة ارتزاقهم وعملهم ؛ ومصلحة الأجيال من المسلمين ؛ فلا يستأثر بالأرض دونهم الفاتحين في جيل واحد ؛ بل يؤخذ منها الخراج فينفق في مقبل الأجيال على المصالح العامة ؛ وينال منه المستحقون بقدر ما يستحقون في الزمن الطويل .
وهناك ظاهرة واضحة في معاملة الإسلام للبلاد المفتوحة . فلقد عاملها على الأساس الإنساني الكريم ؛ فأباح لها كل ما فيه من خير ؛ وأتاح لها التمتع بمزاياه جميعاً دون قيد ولا شرط ؛ بل دعاها بكافة الوسائل إلى الانتفاع بذلك الخير والتمتع بهذه المزايا . ولم يقم حاجزاً من اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أمام أحد ؛ فاستطاع الجميع أن يبذلوا نشاطهم الطبيعي لخير الجميع وقد أسلفنا كيف نبغ الموالي وأبناء البلاد المفتوحة في خاصة ما يختص بالإسلام وهو الفقه والحديث ؛ فلم يكن مرفق من مرافق الحياة العامة موقوفاً على أبناء الجزيرة الفاتحين ؛ حتى الولاية العامة كانت من نصيب بعضهم في بعض الأحيان . كما أن أموال كل بلد كانت تنفق في مصالحه أولاً ؛ فلا يرسل إلى بيت المال إلا ما فضل منها . فلم تكن البلاد المفتوحة مستعمرة يعيش الفاتحون من دماء أهلها وأموالهم .
مما يتصل بهذه الظاهرة الواضحة تلك الحرية التي كفلها الإسلام لأهل البلاد المفتوحة في مزاولة شعائرهم الدينية ؛ وهذه الحماية التي فرضها لبِيَعهم وكنائسهم ومعابدهم وأحبارهم ورهبانهم ؛ وهذا الوفاء بالعهود المقطوعة لهم وفاء نادر المثال لم تعرفه الإنسانية في معاملاتها الدولية في القديم أو الحديث . وما تزال تقاليد الإسلام إلى اليوم عاملة في هذا المجال .
وإن الإسلام ليبدو فارعاً سامقاً رفيعاً كريماً في واقعه التاريخي في جميع العصور , حينما تقاس إليه الحضارة الغربية القائمة , وما تصنعه بالبلاد التي يوقعها سوء الطالع في أوهاق الاستعمار , حيث يحال بين هذه البلاد وبين المزايا الحقيقية للحضارة الغربية في التربية والتعليم , وفي الاقتصاد والتعمير , كي تبقى أطول أمد ممكن بقرة حلوباً للمستعمرين . وذلك فوق الإذلال لكل كرامة إنسانية , فردية أو جماعية ؛ وفوق الفساد الخلقي الذي ينشر عن قصد وسوء نية ؛ وفوق الفتن الحزبية والطائفية التي تبذر بذورها ويتعهد غرسها ؛ وفوق سائر ألوان اللصوصية والنهب والسلب للأفراد والجماعات والشعوب . فأما الحرية الدينية التي يتشدق بها بعضهم في هذا الزمان , فقد سبقتها فظائع محاكم التفتيش في الأندلس , وفظائع الحروب الصليبية في الشرق . وما تزال هذه الحرية الدينية شكلية . فقد كان المبشرون المسيحيون في السودان الجنوبي إلى عهد قريب جداً تجند لهم كل قوى الدولة , بينما يحظر دخول المسلمين حتى للتجارة , وهذا "اللنبي" القائد الإنجليزي في الحرب العظمى الماضية يعبر عن نفس كل أوربي وهو يدخل بيت المقدس فيقول :"الآن انتهت الحروب الصليبية" . وهذا الجنرال كاترو الفرنسي يقف في دمشق في ثورتها الأخيرة عام1940 فيقول :"نحن أحفاد الصليبيين, فمن لم يعجبه أن نحكم فليرحل".
ويقول مثلها زميل له في الجزائر سنة1945 . فأما في الكتلة الشيوعية فالمسلمون يصب عليهم الإفناء بالجملة , فيتناقص عددهم في ربع قرن من اثنين وأربعين ملوناً إلى ستة وعشرين مليوناً في روسيا , ويحزمون الآن بطاقات التموين التي يستحيل على الأفراد أن يحصلوا على ضرورياتهم بدونها . ويقال لهم : لكم أن تصلوا لله إذا شئتم , ولكن لا طعام لكم من الدولة فاطلبوا من الله هذا الطعام ! وشبيه بهذا ما يصيبهم في الصين ويوغسلافيا وفي كل مكان .
لقد كان الإسلام قمة في العدل الاجتماعي الإنساني الشامل لم تبلغها بعد الحضارة الأوربية . ولن تبلغها أبداً لأنها حضارة المادة الجامدة . حضارة القتل والقتال والغلب والنضال !(1)
*     *     *
ولقد سبق الحديث عن منهج الإسلام في الرحمة والبر والتكافل الاجتماعي الشامل بين القادرين والعاجزين , وبين الأغنياء والفقراء , وبين الفرد والجماعة , وبين الحاكم والمحكوم ؛ بل بين جميع أبناء الإنسان . فالآن نعرض نماذج من الواقع التاريخي , مما حفل به تاريخ الإسلام الطويل .
فهذا أبو بكر كان له يوم أسلم أربعون ألف درهم مدخرة من ربح تجارته , وقد ربح الكثير من التجارة بعد إسلامه ؛ فلما هاجر إلى المدينة مع صاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن قد بقى له من كل مدخره سوى خمسة آلاف درهم . لقد أنفق ماله المدخر في افتداء الضعفاء من الموالي المسلمين الذين كانوا يذوقون العذاب ألواناً من سادتهم الكفار , كما أنفقه في بر الفقراء والمعوزين .
وهذا عمر بن الخطاب ـ وإنه لرجل فقير ـ يصيب أرضاً بخيبر , فيجيء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول : أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه . فما تأمر به ؟ فيجيبه الرسول :"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " , فيجعلها عمر وقفاً على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضعيف , لا جناح على وليها أن يأكل منها بالمعروف , ويطعم صديقاً غير متمول فيها . ويخرج بذلك من أعز ماله تصديقاً لقول الله :" لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .. (آل عمران92).
وهذا عثمان ـ قبل الخلافة ـ ترد له عير من الشام في وقت نزل فيه البرح بالمسلمين من الجدب , فإذا هي ألف بعير موسوقة براً وزيتاً وزبيباً , فيجيئه التجار يقولون : بعنا من هذا الذي وصل إليك , فإنك تعلم ضرورة الناس فيقول : حباً وكرامة . كم تربحوني على شرائي ؟ فيجيبون : الدرهم درهمين . فيقول : أعطيت أكثر من هذا . فيقولون : يا أبا عمرو , ما بقي في المدينة تجار غيرنا , وما سبقنا إليك أحد , فمن ذا الذي أعطاك ؟ فيجيب : إن الله أعطاني بكل درهم عشرة , أعندكم زيادة ؟ فيقولون : لا فيشهد الله على أن هذه العير وما حملت صدقة لله على المساكين والفقراء من المسلمين .
وهذا عليّ وأهل بيته يتصدقون بثلاثة أرغفة من سويق كانت لهم , على مسكين ويتيم وأسير ,ثم يبيتون على الطوى , وقد شبع المسكين واليتيم والأسير .
وهذا الحسين يثقله الدين وهو يملك عين أبي نيزر , فلا يبيعها , لأن فقراء المسلمين يستقون منها , فهي لهم , وليحتمل ثقلة الدين وهو الكريم بن الكرام من ذروة بني هاشم . وهؤلاء الأنصار في المدينة يشركون المهاجرين في أموالهم ومساكنهم ويؤاخونهم فيعقلون معاقلهم , ويفدون عانيهم , يخلطونهم بأنفسهم "..وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .. (الحشر9) . كما وصفهم القرآن الكريم .وتظل روح الإسلام عاملة في هذا الاتجاه ما بعدت دار الإسلام عن التأثر بالحضارة الغربية المادية , فيروي الأستاذ عبد الرحمن عزام في كتابه "الرسالة الخالدة" عن قبيلة الطوارق يقول : " رأيت بعض قبائل الطوارق في شمال إفريقية يحيون حياة هذا التكافل السعيد ؛ فليس فيهم من يعيش لنفسه , وإنما لجماعته , وأعظم ما يفخر به ويعتز , هو ما يصنع لهذه الجماعة . وأول ما لفت نظري لحالتهم هذه أن رجلاً من أهل الحضر هاجر من الفرنسيين , ونزل في فزان , فجاورهم وعاش بفضلهم ؛ ثم خرج يطلب الرزق , ويريد أن يرد الجميل , وترك أسرته في جوار هذه الجماعة الإسلامية . غير أن النحس لازمه , ولم يستطع كسباً , فجاءنا "مصراتة" يستمدنا , فأعنِّاه ليعود إلى أهله , ولكنه عاد إلىّ بعد نحو سنة مرة أخرى , فظننت أنه رجع من أهله , فقال : لا . وإنما الآن أستطيع الرجوع إلى أهلي . فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : بعد لقاءنا الخير اتجرت بما حصلت عليه , وأصبح الآن في يدي ما أعود به إلى جماعة الطوارق ؟ قال إلى الطوارق أولا , فهم آووا أولادي في غيبتي , وأنا سأكفل أولاد من أجده غائباً منهم , وأُقَسّمُ ما أَعْطَى الله بين أولادي وأولاد جيراني . فقلت : هل تعيش جماعتكم كلها كما تعيش أنت مع جيرانك ؟ قال : كلنا في الخير والشر سواء , والفضل لصاحب الفضل , والواحد من جماعتنا يستحي أن يعود إلى النجع خالياً , لا حياء من أهل بيته , بل حياء من جيرانه الذين ينتظرون عودته كأهل بيته سواء بسواء " .
ثم يعقب على هذه المشاهدة بكلمة صادقة تمثل الحقيقة الواقعة : " ليست جماعة الطوارق هذه أو أضرابها من أهل البادية وسكان القفر مختصة بهذه الروح الجماعية , ولا هي من مستلزمات عصبيتها , وإنما هي الروح الإسلامية أكثر ظهوراً في هؤلاء الذين لا يزالون بمعزل من الحياة الحديثة المادية . وقد وجدت هذه الروح في الدساكر والقرى الإسلامية التي لا تزال مطبوعة بالطابع الإسلامي , سواء أكان أهلها عرباً أم عجماً , بيضاً أم سوداً , في المشرق أم في المغرب . فقد رأيت جماعة المسلمين في كثير منها لا يزالون يحيون حياة الخير والتضامن والتكافل والتعاون على البر .. لا يزالون أقرب إلى المجتمع الصالح كما أراده صاحب الدعوة , من عشرات الملايين الذين فتنوا بالحضارة الغربية المادية , فهم يعيشون لأنفسهم , ولو انقرضت جماعتهم , ويؤثرون شهواتهم على البر بأهلهم فضلاً عن جيرانهم ".
هذا التكافل الذي توحي به روح الإسلام لم يكن متروكاً للوجدان الفردي والجماعي وحده . فقد كان الحاكم يُلزم به ويطيقه . فهذا عمر بن الخطاب يفرض للمفطوم والمسن والمريض فريضة من بيت المال ـ وذلك غير مصارف الزكاة المعروفة . وهذا هو يدرأ حد السرقة في عام الرمادة حين جاع الناس . لأن في الجوع شبهة الاضطرار إلى السرقة , والحدود تدرأ بالشبهات . ولعل الحادثة التالية عن عمر ذات معنى حاسم في التطبيق العملي للتكافل , ولحق الملكية الفردية وحدوده في محيط الجماعة !
"روي أن غلماناً لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة , فأتى بهم عمر فأقروا , فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم , فلما ولىّ رده , ثم قال . أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم , حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له , لقطعت أيديهم ثم وجه القول إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة فقال : وأيمن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ! ثم قال : يا مزني , بكم أريدت منك ناقتك؟ قال بأربعمائة . قال عمر لأبن حاطب : إذهب فأعطه ثمانمائة " وأعفي الغلمان السارقين من الحد , لأن صاحبهم اضطرهم إلى السرقة لجوعهم , وحاجتهم إلى سد رمقهم .
ومما يزيد في جلال هذا التكافل الاجتماعي في تاريخ الإسلام أن يتعدى الدائرة الإسلامية إلي الدائرة الإنسانية .
رأى عمر شيخاً ضريراً يسأل على باب فسأل , فعلم أنه يهودي فقال له : ما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : الجزية والحاجة والسن . فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فأعطاه ما يكفيه ساعتها , وأرسل إلى خازن بيت المال : أنظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته , ثم نخذله عند الهرم . إنما الصدقات للفقراء والمساكين . وهذا من مساكين أهل الكتاب . ووضع عنه الجزية وعن ضرباءه  .
ولما سافر إلى دمشق مر بأرض قوم مجذمين من النصارى , فأمر أن يعطوا من الصدقات , وأن يجري عليهم القوت . وهكذا ترتفع روح الإسلام بعمر إلى هذا الأفق الإنساني الكريم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ؛ فيجعل الضمان الاجتماعي حقاً إنسانياً , لا يتعلق بدين ولا ملة , ولا تعوقه عقيدة ولا شرعة .
ألا إنه الأفق البعيد السامق الذي تطلع البشرية اليوم دون مرتقاه !
فأما سياسة الحكم وسياسة المال من الوجهة الرسمية في الدولة , فقد شهد الواقع التاريخي عنهما فترة فريدة في حياة الإسلام , ولم تعمر طويلاً مع الأسف الشديد . وسنرى فيما بعد علة هذا , لنرى إن كانت العلة كامنة في طبيعة النظام الإسلامي في هاتين الناحيتين كما يزعم الزاعمون أم إنها الملابسات الأخرى التي لا علاقة لها بطبيعة هذا النظام . ولنبدأ بالحديث عن سياسة الحكم , إذ كانت سياسة المال في الواقع التاريخي تبعاً لها , وفرعاً عن تصورها . حينما حضرت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوفاة دعا بأبي بكر ليصلي بالناس ؛ فلما راجعته عائشة , لأن أبا بكر رجل أسيف , فإذا قام في الناس لم يسمعوا صوته .. أخذه الغضب , وذكر صويحبات يوسف ! وأصر على دعوة أبي بكر ليصلي بالناس . أفكان ذلك استخلافاً من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصاحبه في الغار ؟ وهل فهم المسلمون منه فهماً صريحاً ؟
نستبعد نحن الفرضين . فلو شاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستخلف , ولو كان هذا الاستخلاف من فرائض هذا الدين , لجهر بالاستخلاف كما جهر بكل فريضة أخرى من فرائض دينه . ولو أنّ فهم المسلمون منه فهماً صريحاً أنه يستخلف أبا بكر ما ثار الجدل في السقيفة بين المهاجرين والأنصار , فما كان الأنصار ليجادلوا في أمر رسول الله . كان الأمر إذن للشورى بين المسلمين , وللإقناع وللاقتناع بمن هو أحق الناس بالخلافة . ولئن كان الجدل يوم السقيفة قد انتهى إلى أن تكون الخلافة في المهاجرين , فما كان ذلك فرضاً إسلامياً ؛ ولكنه تواضع بين جماعة المسلمين , كان الأنصار يملكون رده ولا تثريب عليهم لولا أنهم ارتضوه لأنه أصلح خليفة , ولأن المهاجرين أسبق إلى الإسلام , ولعوامل محلية واقعة بين الأوس والخزرج كذلك في المدينة . وإذا كان التراضي قد تم يومذاك أن تكون الخلافة في المهاجرين , فما كان هناك ما يلزم أن تكون قريش خاصة ؛ ولو كان الأمر كذلك ما قال عمر بن الخطاب وهو يعين أهل الشورى بعده :"ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته" فسالم ليس قرشياً عن يقين وروح الإسلام ومبادئه تأبى أن تجعل لقريش درجة فوق درجة المسلمين , لمجرد أنها قريش , أو أن فيها نسب الرسول . والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي يقول :"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (2) .
ولقد استخلف أبو بكر عمر , ولكن هذا لم يكن إلزاماً منه للمسلمين ؛ فلقد كانوا في حلّ من رد هذا الاستخلاف . وعمر لم يصبح خليفة بحكم استخلاف أبي بكر له , بل بمبايعة إياه . وكذلك عين عمر بعده ستة للشورى على أن يختاروا منهم واحداً . وما كان المسلمون بملزمين أن يختاروا واحداً من الستة , وإنما هم التزموا لأن الواقع كان يشهد بأن الستة هم الأفضل , وإن تعيين عمر لهم يتفق مع الواقع .. من هنا جاء الالتزام . فأما البيعة لعليّ ؛ فقد ارتضاها قوم , وأباها آخرون , فكانت الحرب للمرة الأولى بين المسلمين . وأعقبتها الكوارث التي حاقت بروح الإسلام ومبادئه في الحكم والمال , وفي غير الحكم والمال . هذا الاستعراض السريع يكشف لنا عن قاعدة الإسلام الأصيلة في الحكم . وهيأن اختيار المسلمين المطلق هو المؤهل الوحيد للحكم . وهذا ما فهمه المسلمون وهم يؤخرون علياً ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقرب الناس نسباً إليه . ولقد يكون عليَّ قد غبن في تأخيره ـ وبخاصة بعد عمر .ولكن هذا التأخير كان له فضله في التقرير العملي لنظرية الإسلام في الحكم ,حتى لا تقوم عليها شبه من حق الوراثة , الذي هو أبعد شيء عن روح الإسلام ومبادئه . وأياً كان الغبن الذي أصاب شخص الإمام كرم الله وجهه فإن تقرير هذه القاعدة كان أكبر منه على كل حال !
فلما جاء الأمويين , وصارت الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً في بني أمية , لم يكن من وحي الإسلام , إنما كان من وحي الجاهلية الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي . ويكفي أن نُثْبِت هنا بعض الروايات عن الملابسات التي صاحبت البيعة ليزيد بن معاوية : كان معاوية بعد أخذ البيعة ليزيد في الشام قد كلف سعيد بن العاص أن يحتال لإقناع أهل الحجاز , فعجز , فسار معاوية إلى مكة ومعه الجند والمال . ودعا وجهاء المسلمين فقال لهم : " قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم بيزيد أخوكم وابن عمكم , وأردت أن تقدموا يزيد باسم الخلافة , وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه " فأجابه عبد الله بن الزبير مخيراً بين أن يصنع كما صنع رسول الله إذ لم يستخلف أحداً , أو كما صنع أبو بكر إذ عهد إلى رجل ليس من بني أبيه , أو كما صنع عمر إذ جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه . فاستشاط معاوية غضباً وهو يقول : " هل عندك غير هذا ؟ " قال : لا . والتفت معاوية إلى الآخرين يسألهم : فأنتم ؟ قالوا على ما قال ابن الزبير . فقال يتوعدهم :"أعذر من أنذر . إني كنت أخطب فيكم فيقوم إليّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس , فأحمل ذلك وأصفح . وإني قائم بمقالة , فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ؛ فلا يبقين رجل إلا على نفسه "!
فأما الذي كان بعد ذلك , فهو أن أقام صاحب حرس معاوية رجلين على رأس كل وجيه من وجهاء الحجاز المعارضين , وقد قال له معاوية :"إن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما ".
ثم رقي المنبر فقال :"هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم , لا يبرم أمر دونهم ولا يقضي إلا على مشورتهم . وإنهم قد رضوا وبايعوا يزيد , فبايعوه على اسم الله "(3) .
فبايع الناس !!!
على هذا الأساس الذي لا يعترف به الإسلام البتة قام ملك يزيد . فمن هو يزيد ؟
هو الذي يقول فيه عبد الله بن حنظلة : " والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء . إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر , ويدع الصلاة . والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسناً ".
فإذا كانت هذه مقالة خصم ليزيد , فإن تصرفات يزيد العملية الواقعية فيما بعد , من قتل للحسين ـ رضي الله عنه ـ على ذلك النحو الشنيع , إلى حصار البيت ورميه … إلخ تشهد بأن خصوم يزيد لم يبالغوا كثيراً فيما قالوه !          
وأياً ما كان الأمر فإن أحداً لا يجرؤ على الزعم بأن يزيد كان أصلح المسلمين للخلافة وفيهم الصحابة والتابعون . إنما كانت مسألة وراثة الملك في البيت الأموي . وكان هذا الاتجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام , ونظام الإسلام , واتجاه الإسلام . وفي سبيل تبرئة الإسلام : وروحه ومبادئه , من ذلك النظام الوراثي الذي ابتدع ابتداعاً في الإسلام نقرر هذه الحقائق لتكون واضحة في تصور الحكم الإسلامي على حقيقته .
*     *     *
ولكي ندرك عمق هذه الحقيقة , يجب أن نستعرض صوراً من سياسة الحكم في العهود المختلفة على أيدي أبي بكر وعمر . وعلى أيدي عثمان ومروان . وعلى يدي عليّ الإمام . ثم على يدي الملوك من أمية . ومَن بعدهم من بني العباس . بعد هذه الهزة المبكرة في تاريخ الإسلام .
حينما ندب المسلمون أبا بكر ليكون خليفة رسول الله , لم تزد وظيفته في نظره على أن يكون قائماً بتنفيذ دين الله وشريعته بين المسلمين ! فلم يخطر له أن هذه الوظيفة تبيح له شيئاً لم يكن مباحاً له وهو فرد من الرعية , أو تمنحه حقاً جديداً لم يكن له , أو تسقط عنه تكليفا واحداً مما يكلفه , سواء لنفسه أو لعشيرته أو لأهله !
وقف عقب انتهاء البيعة له بالسقيفة فقال : " أما بعد ـ أيها الناس ـ فإني قد وليت عليكم , ولست بخيركم , فإن أحسنت فأعينوني , وإن أسأت فقوّموني . الصدق أمانة والكذب خيانة . والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله , والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله , ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ؛ ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت الله فيكم ورسوله . فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ".
وكان منزل أبي بكر بالسنح على مقربة من المدينة منزلا صغيراً متواضعاً . فلما ولي الخلافة لم يغيره ولم يغير فيه . وكان يمشي على قدميه من منزله بالسنح إلى المدينة غدواً ورواحاً ؛ وربما ركب فرساً له لا أفراس بيت المال ؛ حتى إذا زادت أعباء عمله انتقل إلى المدينة . وكان يعيش من رزقه في التجارة , فلما أصبح أراد أن يغدو على تجارته . فامسكه المسلمون , وقالوا : إن هذا الأمر لا يصلح مع التجارة . فسأل ـ كأنما لا يعلم طريقاً آخر للقوت ـ ومم أعيش ؟ فترووا في الأمر ؛ ثم جعلوا له من بيت المال كفايته لقوته وقوت عياله , جزاء قعوده عن التجارة , واحتباسه للوظيفة .
ومع هذا فقد أوصى عندما حضرته الوفاة أن يحصي ما أخذه من بيت المال ,فيرد من ماله وأرضه , تورعاً وتعففاً عن مال المسلمين . وكان يعد نفسه مسؤولاً عن حاجة كل فرد في الرعية , مدفوعاً إلى هذا باليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على ضمير الحاكم والمحكوم , والحساسية المرهفة التي يثيرها في ضمير الجميع . وقد وصل في هذا إلى حد أنه قد كان يحلب لضعفاء ممن حوله بالسنح أغنامهم ؛ فلما ولي الخلافة سمع جارية تقول : اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا ! فقال : بلى لعمري لأحلبنها لكم .. فكان يحلبها , وربما سأل صاحبتها : يا جارية ! أتحبين أن أرغي لك أم أصرح ؟ فربما قالت : أرغ , وربما قالت : صرح . فأي ذلك قالته فعل . وكان عمر بن الخطاب ـ في خلافة أبي بكر ـ يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها , فكان إذا جاءها ألفاها قد قضيت حاجتها ؛ فترصد عمر يوماً , فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤونتها , لا تشغله عن ذلك الخلافة وتبعاتها . عندئذ صاح عمر حين رآه :"أنت هو لعمري!"
هذه لمحة من تصور أبي بكر للحكم . فلما أن خلفه عمر لم يختلف هذا التصور , ولم يفهم عمر أن منصبه الجديد يرتب له حقوقاً جديدة من أي نوع ـ غير أن يزيد في تبعاته في القيام بتنفيذ شرع الله .
خطب عقب البيعة له فقال :"أيها الناس : ما أنا إلا رجل منكم , ولولا أنني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم".
وخطب خطبته الثانية فقال فيها : " ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها : ولكم علي ألا أجتبي شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه ؛ ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج منها إلا في حقه ؛ ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك ولا أجمركم في ثغوركم , وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال ".
وكان يقول : " إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم , فإن استغنيت عففت عنه ؛ وإن افتقرت أكلت بالمعروف " .
سئل يوماً عما يحل له من مال الله فقال :"أنا أخبركم بما استحل منه : يحل لي حلتان : حلة في الشتاء وحلة في القيظ , وما أحج عليه وأعتمر من الظهر , وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش , ليس بأغناهم ولا بأفقرهم , ثم أنا رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم " .وكذلك عاش , ولكنه كثيراً ما كان يتحرج حتى مما أحل لنفسه .. اشتكى يوماً فوصف له العسل وفي بيت المال عكة منه , فلما كان على المنبر قال :" إن أذنتم لي فيها , وإلا فإنها عليّ حرام " , فأذنوا له .
ورأى المسلمون ما هو عليه من الشدة , فذهب بعضهم إلى ابنته حفصة أم المؤمنيين فقالوا لها :"أبى عمر إلا شدة على نفسه وحصرا , وقد بسط الله له في الرزق , فليبسط في هذا الفيء فيما شاء منه , وهو في حل من جماعة المسلمين " . فلما كلمته حفصة في ذلك كان جوابه : فأما في ديني وأمانتي فلا !"
وكان يشعر شعوراً عميقاً بوجوب المساواة بينه وبين أفراد رعيته ؛ فلما جاع الناس في عام الرمادة , آلى على نفسه : لا يذوق سمناً ولا لحماً حتى يحيا الناس . وظل كذلك حتى اسود جلده وبسر من أكل الزيت ؛ ثم جاءت السوق عكة من سمن ووطب من لبن اشتراهما غلام له بأربعين درهماً وذهب إليه ينبئه أن الله أحله من يمينه , وأن قد قدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن وقد اشتراها له فلما علم الثمن قال له :"أغليت فتصدق بهما , فإني أكره أن آكل إسرافاً " وأطرق هنيهة ثم قال :" كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما يمسهم ؟ ".
لقد كان يرى أن يحرم نفسه حرمان رعيته , وليحس بما يمسها كما قال ؛ ولأنه في أعماق نفسه ما كان يرى أن قيامه بالحكم يجعل له حقوقاً وامتيازات ليست لسائر الناس ؛ وأنه إن لا يعدل في هذا فما هو بمستحق طاعة الرعية ؛ وقصة البرود اليمنية , وإقراره بسقوط طاعته حتى يثبت عدله قد سبق أن ذكرناها ؛ وهي تقرر مبدأ من مباديء الحكم في الإسلام : وان لا طاعة لإمام غير عادل ؛ ولو كان يقر أن الحاكمية لله وحده ويحكم بشريعة الله , ولكنه لا يعدل في الأحكام .
ولقد كان هذا الشعور الإسلامي عميقاً في نفسه , مصاحباً له في كل ملابسة. فقد ساوم رجلاً على فرس , ثم ركبه ليجربه فعطب , فأراد أن يرده إلى صاحبه فأبى , فتحاكما إلى شريح القاضي , فسمع حجة كل منهما , ثم قال :" يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت , أو رد كما أخذت " فقال . عمر :" وهل القضاء إلا هكذا ؟ " . ثم أقام شريحاً على قضاء الكوفة جزاء ما قضى بالحق والعدل .
*     *     *
فإذا فهم عمر الحكم على أساس هذا التصور , فلا مجال لأن يكون لقرابة الحاكم امتيازات ما على سائر الرعية ما على سائر أفراد الرعية . فإذا . فإذا تناول ابنه عبد الرحمن الخمر فلا بد من الحد , وقصته في ذلك معروفة ؛ وإذا عدا ابن عمرو بن العاص على المصري فلا بد من القصاص . فأما في المال فعماله مسؤولون عن كل ما زاد في أموالهم بعد الولاية , خشية أن يكون نموّها على حساب مال المسلمين , أو بسبب من جاه الولاية . و"من أين لك هذا" كان قانونه الذي عامل به عماله واحداً واحداً كلما وجد مبرراً لأن يعملهم به , فقد قاسم عمرو بن العاص واليه في مصر , وسعد بن أبي وقاص واليه في الكوفة , كما ضم مال أبي هريرة واليه في البحرين .
ولقد كان قوام تصور الحكم في نفس عمر باختصار هو :الطاعة والنصح في حدود الدين من الرعية , والعدل والحسنى كذلك من الراعي . ولقد قبل من رجل من رعيته أن يقول له : " لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا " فأقر بذلك مبدأ حق الرعية في تقويم الراعي . كما خطب الناس يوماً فقال :" إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم , وليشتموا أعراضكم , ويأخذوا أموالكم ؛ ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم .فمن ظلمه عامل بمظلمة , فلا إذن له عليّ , ليرفعها إليّ حتى أقصه منه " . فأقر بذلك حدود الحاكم على الناس لا يتعداها .  
ولشعوره العميق بتبعات الحاكم لم يشأ أن يجعلها اثنان من أسرة الخطاب , فمنع أن يكون ابنه عبد الله مرشحاً لها . وإن جعله من أهل الشورى . وقال قولته المشهورة التي تنطق بحقيقة تصوره للخلافة : " لا أرب لنا في أموركم , وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من بيتي , إن كان خيراً فقد أصبنا منه , وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ".
*     *     *
هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئاً ما دون شك على عهد عثمان ـ وإن بقى في سياج الإسلام ـ لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير . ومن ورائه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام . كما أن طبيعة عثمان الرخية , وحدبه الشديد على أهله , قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله , وكانت لها معقبات كثيرة , وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً .
منح عثمان , من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم . فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين , وقد بدا في وجهه الحزن وترقرقت في عينه الدموع , فسأله أن يعفيه من عمله ؛ ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين , قال مستغرباً :"أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي ؟" فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف :"لا يا أمير المؤمنين . ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله . والله لو اعطيته مئة درهم لكان كثيراً !" فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال له :"ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك "! والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات ؛ فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف , ومنح طلحة مائتي ألف ,ونفل مروان بن الحكم خمس خراج إفريقية . ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب , فأجاب : " إن لي قرابة ورحماً" فأنكروا عليه وسألوه : " فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم ؟ فقال :"إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما , وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي " فقاموا عنه غاضبين يقولون : " فهديهما والله أحب إلينا من هديك "..
وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان . وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص ؛ وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة عليّ وقد جمع المال والأجناد . وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله الذي آواه عثمان وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرف . وفيهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاعة … الخ .
ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات الخطيرة العواقب , فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام , وإنقاذ الخليفة من المحنة ؛ والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان . وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان ؛ ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ , الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة ؛ في كبرة عثمان . ولقد اجتمع الناس , فكلفوا عليّ بن أبي طالب أن يدخل إلى عثمان فيكلمه , فدخل إليه فقال :" الناس ورائي وقد كلموني فيك . والله ما أدري ما أقول لك , وما أعرف شيئاً تجهله , ولا أدلك على أمر لا تعرفه . إنك لتعلم ما نعلم ؛ ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ؛ ولا خلونا بشيء فنبلغكه ؛ وما خُصصنا بأمر دونك . وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونلت صهره . وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ؛ ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ؛ وإنك أقرب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحماً ؛ ولقد نلت من صهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم ينالا ؛ ولا سبقاك إلى شيء . فالله الله في نفسك ؛ فإنك والله ما تُبَصَّرُ من عمى ؛ ولا تُعَلمُ من جهل ؛ وإن الطريق لواضح بيّن ؛ وإن أعلام الدين لقائمة . وتعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدي و هَدى ؛ فأقام سنة معلومة , وأمات بدعة متروكة ؛ فو الله إن كلَّا لَبيَّن ؛ وإن السنن لقائمة لها أعلام ؛ وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضَل وضُل به ؛ فأمات سنة معلومة , وأحيا بدعة متروكة . وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :"يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر , فيلقى في جهنم "(4) .
فقال عثمان :" قد والله علمت ليقولن الذي قلت . أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ؛ وما جئت منكراً أن وصلت رحماً , وسددت خلة , وآويت ضائعاً , ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي . أنشدك الله يا عليّ . هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك ؟ ؟ قال نعم , قال أتعلم أن عمر ولاه ؟ قال نعم . قال : فلِمَ تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : سأخبرك . إن عمر كان كل من ولّى فإنما يطأ على صماخه , إن بلغه عنه حرف جلبه , ثم بلغ به أقصى الغاية . وأنت لا تفعل . ضعفت ورفقت على أقربائك . قال عثمان : وأقرباؤك أيضاً ! قال عليّ : لعمري إن رحمهم مني لقريبة , ولكن الفضل في غيرهم . قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها ؟ فقد وليته , فقال علي : أنشدك الله ! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من أن يرفأ غلام عمر منه ؟ قال نعم . قال علي فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت لا تعلمها , فيقول للناس : هذا أمر عثمان , فيبلغك ولا تُغير على معاوية! "
وأخيرا ثارت الثائرة على عثمان , واختلط فيها الحق بالباطل , والخير بالشر . ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام , ويستشعر الأمور بروح الإسلام , أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت فورة من روح الإسلام ؛ وذلك دون إغفال لم كان وراءها من كيد اليهودي ابن سبأ عليه لعنة الله !
واعتذارنا لعثمان رضي الله عنه : أن الخلافة قد جاءت إليه متأخرة , فكانت العصبة الأموية حوله وهو يدلف إلى الثمانين , فكان موقفه كما وصفه صاحبه علي بن أبي طالب : " إني إن قعدت في بيتي قال : تركتني وقرابتي وحقي ؛ وإن تكلمت فجاء ما يريد , يلعب به مروان , فصار سيقة له يسوقه حيث شاء , بعد كبر السن وصحبته لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ".
ولقد كان من جراء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الأموية على يدي الخليفة الثالث في كبرته , أن تقاليده العملية لم تتأصل على أسس من تعاليمه النظرية لفترة أطول . وقد نشأ عن عهد عثمان الطويل في الخلافة أن تنمو السلطة الأموية ويستفحل أمرها في الشام وفي غير الشام ؛ وأن تتضخم الثروات نتيجة لسياسة عثمان (كما سيجيء) وأن تخلخل الثورة على عثمان بناء الأمة الإسلامية في وقت مبكر شديد التبكير . مع كل ما يحمله تاريخ هذه الفترة وأحداثها من أمجاد لهذا الدين , تكشف عن نقلة بعيدة جداً في تصور الناس للحياة والحكم , وحقوق الأمراء وحقوق الرعية , إلا أن الفتنة التي وقعت لا يمكن التقليل من خطرها وآثارها البعيدة المدى .
*    *    *
مضى عثمان إلى رحمة ربه , وقد خلف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكن لها في الأرض , وبخاصة في الشام , وبفضل ما مكن للمباديء الأموية المجافية لروح الإسلام , من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع , مما أحدث خلخلة في الروح الإسلامي العام . وليس بالقليل ما يشيع في نفس الرعية ـ إن حقاً أو باطلاً ـ أن الخليفة يؤثر أهله , ويمنحهم مئات الألوف ؛ ويعزل أصحاب رسول الله ليولي أعداء رسول الله ؛ ويبعد مثل أبي ذر لأنه أنكر كنز الأموال , وأنكر الترف الذي يخب فيه الأثرياء , ودعا إلى مثل ما كان يدعو إليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإنفاق والبر والتعفف .. فإن النتيجة الطبيعية لشيوع مثل هذه الأفكار ؛ إن حقاً وإن باطلاً , أن تثور نفوس , وأن تنحل نفوس . تثور نفوس الذين أشربت نفوسهم روح الدين إنكاراً وتأثماً ؛ وتنحل نفوس الذين لبسوا الإسلام رداء , ولم تخالط بشاشته قلوبهم , والذين تجرفهم مطامع الدنيا ويرون الانحدار مع التيار . وهذا كله قد كان في أواخر عهد عثمان .
فلما أن جاء علي ـ كرم الله وجهه ـ لم يكن من اليسير أن يرد الأمر إلى نصابه في هوادة .
وقد علم المستنفعون على عهد عثمان , وبخاصة من أمية , أن عليا لن يسكت عليهم , فانحازوا بطبيعتهم وبمصالحهم إلى معاوية .
جاء علي ليرد التصور الإسلامي للحكم إلى نفوس الحكام ونفوس الناس . جاء ليأكل الشعير تطحنه امرأته بيديها , ويختم على جراب الشعير ويقول :"لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم " . وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام , وكره أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة مؤثراً عليه الخصاص التي يسكنها الفقراء . جاء ليعيش كما روى عنه النضر ابن منصور عن عقبة بن علقمة قال :دخلت على عليّ عليه السلام , فإذا بين يديه لبن حامض , آذتني حموضته ؛ وكسر يابسة . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أتأكل مثل هذا ؟ فقال لي: يا أبا الجنوب ! كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا ـ وأشار إلى ثيابه ـ فإن لم آخذ به خفت ألا ألحق به " أو كما روى عنه هارون بن عنترة عن أبيه قال : دخلت على عليّ بالخورنق , وهو فصل الشتاء , وعليه خلق قطيفة , وهو يرعد فيه . فقلت : يا أمير المؤمنين ! إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً , وأنت تفعل هذا بنفسك ؟ فقال :"والله ما أرزؤكم شيئاً , وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة ". وما يصنع عليُّ هذا بنفسه وأهله , وهو يجهل أن الدين يبيح له فوق ما يصنع , وأنه لا يحتم التزهد والحرمان والشظف , وان حظه من بيت المال في ذلك الحين ـ كفرد من المسلمين ـ يبلغ أضعاف ما يأخذ , وإن راتبه كأمير للمؤمنين يؤدي خدمة عامة , أكبر من هذا لو شاء أن يأخذ مثلما خصصه عمر لبعض ولاته على الأقاليم , إذ قدر لعمار بن ياسر حين ولاه الكوفة ستمائة درهم في الشهر له ولمساعديه , ويزاد عليها عطاؤه الذي يوزع عليه كما توزع العطية على نظرائه , ونصف شاة ونصف جريب من الدقيق ؛ كما قدر لعبد الله ابن مسعود مئة درهم وربع شاة لتعليمه الناس بالكوفة وقيامه على بيت المال فيها , ولعثمان ابن حنيف مائة وخمسين درهماً وربع شاة في اليوم مع عطائه السنوي وهو خمسة آلاف درهم …
ما يصنع عليّ بنفسه ما صنع وهو يجهل هذا كله . إنما كان يعلم أن الحاكم مظنة وقدوة . مظنة التبحبح بالمال العام إذ كان تحت سلطانه ؛ وقدوة الولاة والرعية في التحرج والتعفف . فأخذ نفسه بعزائم أبي بكر وعمر في الأمر . فالأفق الأعلى كان هو الأحرى بخلفاء رسول الله على دين الله . وسار عليّ ـ كرم الله وجهه ـ في طريقه يرد للحكم صورته كما صاغها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخليفتان بعده …
 "وجد درعه عند رجل نصراني , فأقبل به إلى شريح قاضيه , يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه , وقال : إنها درعي ولم أبع , ولم أهب . فسأل شريح النصراني : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ قال النصراني : ما الدرع إلا درعي , وما أمير المؤمنين عندي بكاذب ! فالتفت شريح إلى عليّ يسأله : يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك عليّ وقال : أصاب شريح . ما لي بينة ! فقضى بالدرع للنصراني , أخذها ومشى , و" أمير المؤمنين" ينظر إليه .. إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء … أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه ! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين . اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين ؛ فخرجت من بعيرك الأورق . فقال عليّ : أما إذ أسلمت فهي لك "(5).
ولقد كان منهاجه الذي شرعه هو ما قاله في خطبته عقب البيعة له :
" أيها الناس . إنما أنا رجل منكم , لي ما لكم , وعلي ما عليكم , وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به .. ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان , وكل مال أعطاه من مال الله , فهو مردود في بيت المال . فإن الحق لا يبطله شيء . ولو وجدته قد تزوج به النساء , وملك الإماء , وفرق في البلدان لرددته . فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق .
" أيها الناس .. ألا لا يقولن رجال منكم غداً ـ قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجروا الأنهار , وركبوا الخيل , واتخذوا الوصائف المرققة ـ إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه, وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعملون : "حرمنا بن أبي طالب حقوقنا " . ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته , فإن الفضل غداً عند الله , وثوابه وأجره على الله . ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله , فصدق ملتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا , فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده ؛ فأنتم عباد الله , والمال مال الله , يقسم بينكم بالسوية , ولا فضل فيه لأحد على أحد , وللمتقين عند الله أحسن الجزاء" .
ولقد كان من الطبيعي ألا يرضى المستنفعون عن عليّ , وألا يقنع بشرعة المساواة من اعتادوا التفضيل , ومن مردوا على الاستئثار . فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المعسكر الآخر : معسكر أمية , حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم , على حساب العدل والحق اللذين يصر عليهما عليّ ـ رضي الله عنه ـ هذا الإصرار!
والذين يرون في معاوية دهاء وبراعة لا يرونها في عليّ ؛ ويعزون إليها غلبة معاوية في النهاية , إنما يخطئون تقدير الظروف , كما يخطئون فهم عليّ و واجبه . ولقد كان واجب عليّ الأول والأخير , أن يرد للتقاليد الإسلامية قوتها ؛ وأن يرد إلى الدين روحة ؛ وأن يجلو الغاشية التي غشت هذا الروح على أيدي بني أمية في كبرة عثمان . ولو جارى وسائل بني أمية في المعركة لبطلت مهمته الحقيقية , ولما كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين. إن علياً أما أن يكون علياً أو فلتذهب الخلافة عنه , بل فلتذهب حياته معها . وهذا هو الفهم الصحيح الذي لم يغب عنه ـ كرم الله وجهه ـ وهو يقول ـ فيما روي عنه إن صحت الرواية :"والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ".

الشهيد سيد قطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)يراجع كتاب " السلام العالمي والإسلام" وفصل " طبيعة الفتح الإسلامي" في كتاب "دراسات إسلامية" للمؤلف .
(2)مسلم وأبو داود والترمذي
(3)ابن الأثير في حوادث سنة56هـ . ونحن لا نحب أن نجزم بصدق مثل هذه الرواية ولكن تبرئة الإسلام في ذاته نقول : إنها إن صحت كان هذا مخالفة أساسية لطبيعة المنهج الإسلامي في الحكم لا تبررها حجة , ولا يقوم لها عذر !
(4)ذكره الطبري فيما يرويه في سنة أربع وثلاثين هجرية .
(5)عبقرية الإمام , للأستاذ العقاد
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
من الواقع التاريخي في الإسلام(3)