السبت، 16 مارس 2013

المعالم الأولية والرئيسية للسلفية


د/ محمد عمارة

المعالم الأولية والرئيسية للسلفية


   كان ابن حنبل أشبه ما يكون ب"قراء عصر الصحابة", قبل أن يعرف عالم الإسلام "الفقهاء" و"المتكلمين" , فضلاً عن "الفلاسفة والحكماء" , وكان شبهه ب"قراء" عصر الصحابة شاملاً "السلوك" مع "الفكر" , فهو ـ كما يصفه ابن قيم الجوزية[691ـ 751هـ 1292 ـ 1350م] ـ : "عن الدنيا ما كان أصبره , وبالماضين ما كان أشبهه , أتته البدع فنفاها , والدنيا فأباها ..! (1) .
   ونحن إذا شئنا تكثيفاً لمقولات الحركة السلفية , كما صاغها إمامها الأول أحمد بن حنبل , في مواجهة ما رآه بدعاً ومحدثات جعلت الإسلام غريباُ , وجدنا هذه المقولات والعقائد :
·        الإيمان قول وعمل . . وهو يزيد وينقص , تبعا لنقاء العقيدة أ ما شوبها , وتبعاً لزيادة العمل ونقصانه . .
·        والقرآن : كلام الله , وفقط . . فليس بمخلوق ـ كما تقول المعتزلة ت وليس شريكاً لله في قدمه , كما يلزم المعتزلة نفاة خلق القرآن ..
·        وصفت الله : التي وصف بها نفسه وأثبتها لذاته , نصفه بها ونثبتها لذاته , على النحو الذي وردت عليه في النصوص والمأثورات , ولا نلجأ في بحثها إلى رأي أو تأويل  . .
·        وعالم الغيب : لا ينبغي أن نخوض في بحث شيء منه , بل يجب أن نفوض حقيقة علمه إلى الله سبحانه . .
·        ورؤية أهل الجنة لله :عقيدة حق يجب أن يؤمن بها المؤمن , دونما تأويل أو تمثيل , كما وردت بها ظواهر النصوص . .
·        وعلم الكلام : منكر منكر . . والاشتغال به منكر , وأخذ العقائد بأدلته منكر , .. بل ومجالسة أهله منكر , مهما كان دفاعهم به عن الإسلام ! . .
·        والقضاء والقدر : لا يكتمل بدونهما الإيمان . . وهما من الله . .
·        والذنوب الكبائر لا تجعل المؤمن كافراً , ولا تخلده في النار : على عكس قول الخوارج في الأمرين .. وقول المعتزلة في الثاني ..
·        وخلافات الصحابة : لا يصح الخوض فيها , بل يجب العدول عن ذكرها , والوقوف عند محاسنهم وفضائلهم . .
·        وترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل : وفق ترتيبهم في تولي الخلافة . .
·        وطاعة ولي الأمر واجبة : حتى لو كان فاجراً فاسقاً , والثورة عليه منكر لما تجلبه من الأخطاء وتعطله من مصالح الناس في حياتهم اليومية . .
·        الفرائض .. والمعاملات . . والجهاد : نؤديها ونمارسها على النحو الذي جاءت به النصوص في القرآن والسنة . . .الخ ...الخ...الخ ...
وكما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة ما عدا القرآن الكريم , كي لا يختلط الحديث بآياته , وكما لم يعرف عصر البعثة والصحابة تأليف الكتب . . وأمام اشتغال "المتكلمين" بتأليف الكتب .. نهى أحمد بن حنبل عن الاشتغال بتأليف الكتب .. نهى أحمد بن حنبل عن الاشتغال بتأليف الكتب , ودعا للوقوف عند جمع الحديث والمأثورات . . ولكن تلاميذه وأصحابه دونوا فتواه وتعاليمه , معتبرين إياها جزءاً من المأثورات , ومن بين ما دونوه ـ وهو كثير جداً ـ نجد الكثير من النصوص التي توجز عقيدته السلفية , من مثل قوله في "صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة" أنه:
·        من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأن محمداً عبده ورسوله
·        وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل
·        وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه , لم يشك في إيمانه
·        ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب
·        وأرجأ ما غاب عنه من الأمور إلى الله , وفوض أمره إلى الله
·        ولم يقطع , بالذنوب ,العصمة من عند الله
·        وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره , الخير والشر جميعاً
·        ورجا لمحسن محمد , وتخوف على مسيئهم ,ولم ينزل أحداً من امة محمد الجنة بالإحسان , ولا النار بذنب اكتسبه , حتى يكون الله الذي ينزل خلقه حيث يشاء
·        وعرف حقل السلف الذين اختارهم الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وقدم أبا بكر وعمر وعثمان وعرف حق على بن أبي طالب , والزبير , وعبد الرحمن بن عوف , وسعد بن أبي وقاص , وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ... وترحم على جميع أصحاب محمد , صغيرهم وكبيرهم , وحدث بفضائلهم , وامسك عما شجر بينهم
·        وصلاة العيدين والخوف والجمعة والجماعات مع كل أمير , ير وفاجر
·        والمسح على الخفين في السفر والحضر والتقصير في السفر
·        والقرآن كلام الله وتنزيله , وليس بمخلوق
·        والإيمان قول عمل , يزيد وينقص
·        والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً إلى آخر عصابة , يقاتلون الرجال , لا يضرهم جر جائر
·        والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة , على حكم الكتاب والسنة
·        والتكبير على الجنائز أربعاً
·        والدعاء لأئمة المسمين بالصلاح , ولا تخرج عليهم بسيفك , لا تقاتل في فتنة , وتلزم بيتك
·        والإيمان بعذاب القبر
·        و الإيمان بمنكر ونكير
·        والإيمان بالحوض والشفاعة
·        والإيمان بأن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى
·        وأن الموحدين يخرجون من النار , بعدما امتحنوا , كما جاءت الأحاديث في هذه الأشياء عن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا تضرب لها الأمثال ...(2).
    على هذا النحو صاغ ابن حنبل عقائد الحركة السلفية , ودعا إلى إسلام العرب الأولين , إسلام المجتمع العربي البسيط , إسلام النصوص والمأثورات , وبهذه العقائد , ومن خلفه الجمهور صارع المتكلمين و الكلام والفلسفة والرأي والقياس والتأويل , وصمد للمحنة الشهيرة عندما امتحن إبان تدخل الدولة في عقائد العلماء حتى يقروا بخلق القرآن .. الأمر الذي رفع من قدره , لا عند أنصاره فحسب , بل وفي نظر الخصوم وعند جميع المؤرخين للفكر على اختلاف المدارس والمنطلقات. .
    السلفية تنتعش :
    كانت الحضارة العربية الإسلامية التي تبلورت من فكر الإسلام , كما صاغه المتكلمون العقلانيون , بعد مزجه بالمواريث الحضارية الملائمة لشعوب البلاد التي فتحت , والتي أخذت تتعرب , كانت هذه الحضارة مرتكزة على قسمتين رئيسيتين :
·        العروبة : بالمعنى الحضاري , لا العرقي . . على النحو الذي بلغته في الصراع ضد قطبي التطرف : الشعوبي الرافض لكل ما هو عربي . . والعصبية التي أحيتها الدولة الأموية  والتي تغضّ من شأن كل ما ليس بعربي عرقياً . .
·        والعقلانية التي : التي تحول بها الإسلام من موقع الدفاع أمام المؤسسات الفكرية اللاهوتية غير الإسلامية والتيارات الفكرية المعادية لعقائده . . تحول بها من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم الذي هيأ له الانتشار دون إكراه . .
لكن هذه الحضارة , بما صحبها من ازدهار مادي ورفاهة في العيش , قد ابتعدت بالعرب عن خشونة الجند التي عرفوا بها في عصر الفتوحات , فلم يعودوا القوة العسكرية التي تعتمد عليها الدولة في الفتح أو الحفاظ على أكبر امبراطورية عرفها ذلك التاريخ . . . وكانت للموالي ذوي الاتجاه الشعوبي , أحلام في السيطرة على الدولة , بل تدميرها , صرفت الدولة كذلك عن أن تتخذ منهم الجند الذي يتكون منه جيشها الكبير . . ومن هنا كان سعي الخليفة العباسي المعتصم [ 218ـ227هـ 833ـ 842م] إلى تكوين جيشه من الترك المماليك !. .
   ولقد ظن المعتصم أنه باتخاذه الجند الغريب , حضارياً وقومياً , عن المجتمع , يحصل على أداة القمع الأسهل قياداً وانقياداً , والتي لا أمل لها في السلطة , ولا مصلحة لها في الصراعات الناشبة من حولها , وأنه بذلك سيقيم القوة الضاربة التي يحافظ بها على التوازن بين العرب والموالي , وغيرهما من العناصر والأجناس المتصارعة والمتنافسة .. ولكن تضخم هذه القوة العسكرية الجديدة سرعان ما جعلها مركز ثقل وقوة جذب ومركز توجيه . . فمدينة "سامراء" التي بنيت لها معسكراً تابعاً للعاصمة بغداد تحولت من سنة 221هـ 836م إلى عاصمة للدولة , انتقلت إليها الخلافة , وأصبحت بغداد تابعة لها . . وهؤلاء الجند الذين أرادهم المعتصم قوة بيد الخلافة , وسرعان ما أصبحت الخلافة لعبة بيدهم , يولون من أطاع ويعزلون من عصى , بل ويسجنون ويقتلون من يتمرد على أوامر المماليك الأتراك ؟! . .
    وبسبب من أن هذه المؤسسة الجديدة والكبيرة هي جند وجيش  . . كانت بعيدة عن الاهتمامات الحضارية . . وبسبب من غربتها عن العروبة , وتخلف قادتها , بداهة , عن نمط التفكير العقلي والفلسفي كانت أميل إلى "العام" , وأمعن في عدائها للفكر الفلسفي والتيار العقلاني . . وهكذا انفتح الطريق , بسيطرة الترك المماليك , لذلك الانقلاب الفكري الذي حدث في الدولة العباسية عندما تولى الخلافة الخليفة المتوكل [232ـ 247هـ 847ـ861م] فاستبدل السلفية بالمعتزلة , حلت النصوص محل العقلانية والرأي والتأويل , وخرج المحدثون من محابسهم , وحل محلهم فيها علماء الكلام؟! . . وعندما أراد المتوكل ملء الفراغ الذي حدث بإقصاء المعتزلة عن جهاز الدولة استشار الإمام أحمد بن حنبل , فكتب له قائمة بالقضاة والمستشارين , وقد قليل العلم من السلفية على علماء , لأن الأول سني ذو دين , أما الثاني فإنه ـ مع علمه ـ يضر الناس في الدين ؟! . . وهكذا انتعشت السلفية , وساد نهجها النصوصي في البحث والتفكير , فشهدت تلك الحقبة الزمنية الذيوع والانتشار لأعمال "أصحاب الحديث" , الذين هم أعلام الحركة السلفية , سواء منهم أولئك الذين تقدموا أحمد بن حنبل أو عاصروه أو أتوا من بعده . . . وذلك مثل :
·        أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي[181هـ797م] .
·        أبو سعيد يحيي بن فروخ التميمي القطان البصري [198هـ813م] .
·        ابن أبي شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي [225هـ840م] .
·        يحيي بن أبي يحيي بكير بن عبد الرحمن بن يحيي الحنظلي [226هـ841م] .
·        أبو عبد الله نعيم بن حماد المروزي [228هـ844م] .
·        ابن راهويه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مخلد إبراهيم [238هـ852م] .
·        البخاري , أبو عبد الله محمد بن إسماعيل [256هـ870م] .
·        أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال[273هـ886م] .
·        عبد الله بن مسلم بن قتيبة [213ـ 276هـ 889م] .
·        أبو بكر أحمد بن عمرو بن النبل الشيباني البصري[277هـ 890م] .
·        الدارامي , عثمان بن سعيد [280هـ893م] .
·        أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل [290هـ903م] .
·        أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي [292هـ905م] .
·        أبو العباس بن سريج [306هـ918ك ].
·        أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال [311هـ923] .
·        أبو بكر أحمد بن إسحاق بن خزيمة [311هـ 923م] .
·        أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال [349هـ 960م] .
·        أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني [360هـ 971م] .
·        أبو محمد عبد الله , بن محمد بن جعفر بنحيان [369هـ979م].
·        عبيد الله بنمحمد بن بطة العكبري [387هـ997م] .
·        أبو القاسم هبة الله بن الحسن الرازي اللالكائي [418هـ 1027م] .
·        أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي [434هـ1043م] .
·        أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي [458هـ 1066م] .
·        ابن عبد البر أبو عمرو يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي [463هـ 1071م] .
فلما كانت الدولة المملوكية , وطال الأمد على سيطرة الجند الغرباء حضارياً وقومياً على مقدرات الأمة , فشت البدع والمظالم , وغالبت عقائد السلفية حتى غلبتها , فكان أن عرفت الحركة السلفية صحوتها التي تمثلت في عدد من أئمتها كان أبرزهم :
·        أبو الوفاء بن عقيل [431ـ513هـ 1040ـ 1119م] .
·        شيخ الإسلام ابن تيمية [661ـ 728هـ 1263 ـ 1328م] .
·        ابن قيم الجوزية [691ـ 751هـ 1292ـ1350م] .
ولقد واصلت الحركة السلفية , في صحوتها هذه , السير على منوال العقائد التي صاغها ابن حنبل ومعاصروه , ونهجت النهج , النصوصي الذي بلوروه , ومع مرونة ملحوظة في الموقف من القياس والتأويل , فرضتها التعقيدات التي طرأت على المجتمعات التي عاشوا فيها والأبنية الفكرية التي تصارعت في هذه المجتمعات . .
    لكن هذه الصحوة السلفية لم تنجح فيما نجح فيه أحمد بن حنبل . . فلم تصبح مذهبا للدولة , إنما ظلت حركة معارضة يلقى أعلامها السجن والعنت والاضطهاد . . .
   فلما ورثت الدولة العثمانية دولة المماليك , وواصلت ـ على الجبهة الفكرية ـ جمودهم وما شاع في ظل سلطانهم من بدع وخرافات , الأمر الذي فتح في جدار الشرق الإسلامي العديد من الثغرات التي بدأ الغرب الاستعماري يسعى كي يتسلل من خلالها . . . لما حدث ذلك , وأصبح الإسلام غريباً , مرة أخرى , كما كان في البدء , اتخذا حركة اليقظة والتجديد في عصر أمتنا الحديث سبيل الحركة السلفية تدفع بعقائدها البدع والخرافات عن فكر الإسلام , ساعية إلى إعادة قيادة الإسلام إلى العرب , بعد أن تأكد عجز الأتراك العثمانيين عن القيادة أمام الخطر الاستعماري الزاحف على بلاد الإسلام . . . وهكذا عرفت الأمة أعلام الحركة السلفية الحديثة :
·        محمد بن عبد الوهاب [1115ـ 1206هـ 1700ـ 1792م] .
·        ومحمد بن علي السنوسي [1202ـ1276هـ 1787ـ 1859م].
·        ومحمد أحمد المهدي [1260ـ 1302هـ 1844ـ 1885م].
·        جمال الدين الأفغاني [1254ـ 1314هـ 1838ـ 1897م] .
·        الإمام محمد عبده [1266ـ 1323هـ1849 ـ 1905م].
·        وجمال الدين القاسمي [1283ـ 1332هـ 1866 ـ 1914م].
·        وعبد الحميد بن باديس [1307 ـ 1359هـ 1889ـ 1940م] .
وإذا كانت هي مسيرة الحركة السلفية , وهؤلاء هم أبرز أعلامها , منذ أن تبلورت في العصر العباسي حتى عصرنا الحديث , فالأمر المؤكد أن هذه الحركة قد تميزت باتساق المنهج ووحدة الأصول الاعتقادية والفكرية في عصرها الأول , الذي تبلورت فيه , وفي عصرها الوسيط , الذي قادها فيه ابن تيمية وابن القيم , وإن يكن هؤلاء الأعلام قد اختلفوا في عدد من مسائل الفروع , وبمعنى أدق فهم قد اتفقوا في "الإلهيات" , واختلف بعضهم عن البعض الآخر في "الفقهيات" . . وهم لم يجدوا في ذلك بأساً يخرجهم عن إطار الحركة الفكرية والحدة , وكما يقول ابن القيم " فإن أهل الإيمان قد يتنازعون فيبعض الأحكام , ولا يخرجون بذلك عن الإيمان . . وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام , وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيماناً , ولكن , بحمد الله , لم لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال , بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة , كلمة واحدة , من أولهم إلى آخرهم , ولم يسموها تأويلاً . . . ولا ضربوا لها أمثالاً . . . "(3)
   وهذا الاتفاق في الأصول الفكرية , وفي "المنهج النصوصي"قد اتسع لإضافات أفاض فيها أعلام سلفية العصر الوسيط استجابة لمشكلات العصر الذي عاشوا فيه .. فما طرأ على عقيدة التوحيد من بدع وخرافات وإضافات طمست نقاءها الذي تميز به الإسلام , وشابه بشوائب الشرك , خفياً كان أو  جلياً , جعل ابن تيمية يولي هذه القضية اهتماماً كبيراً , حتى لقد رأى أن جماع أمر الدين أمران : رفض الشرك , ورفض البدع التي طرأت على الدين . . وبعبارته " فإن جماع الدين أصلان : أن لا نعبد إلا الله , ولا نعبده إلا بما شرع , لا نعبده بالبدع ..." (4) .
   وكذلك صنعت سلفية العصر الوسيط عندما واجهت مقولات متفلسفة الصوفية , من أصحاب وحدة الوجود , وهي قضية لم يكن فكرها قد طرح بالساحة الإسلامية بعد يوم أن تبلورت الحركة السلفية في عهد الطلائع والرواد ..(5)
   وإذا كان هذا هو حال سلفية العصر الوسيط مع سلفية العصر الأول : اتفاق في الأصول ـ "الإلهيات" ـ , واتحاد في "المنهج النصوصي" ـ مع مرونة نسبية في استخدام القياس ـ مع اختلافات في الفروع ـ [الفقهيات] ـ .. فإن هذه الحال قد اختلف مع سلفية العصر الحديث , التي تميزت في إطارها مدارس وتيارات , حافظ بعضها على "المنهج النصوصي" لسلفية القدماء , على حين رفع بعضها سلطان العقل وبراهينه على سلطان ظواهر النصوص , ولم يعد إسلامها هو إسلام المجتمعات البدوية , بل الإسلام الذي أرادت به بعث خير ما في الحضارة العربية والإسلامية العقلانية من قسمات , كما أرادت أن تقاوم به وبحضارته و عقلانية ذلك الزحف الحضاري الذي أرادت به أوربا الاستعمارية سحق الشخصية العربية المسلمة قومياً وحضارياً. .                                  

المنهج النصوصي:
   يقول ابن القيم عن الإمام أحمد بن حنبل : إنه " إمام أهل السنة على الإطلاق . . . وإن أئمة الحديث والسنة , بعده , هم أتباعه إلى يوم القيامة . . ."(6) . . ولقد صاغ ابن حنبل منهج السلفية النصوص, الذي يأخذ الإسلام , أصولاً وفروعاً , من النصوص والمأثورات , وذلك في مواجهة منهج متكلمي المعتزلة الذين كان للعقل والتأويل شأن عظيم في المنهج الذي أخذوا بواسطة الإسلام . . ولقد بلغ من أتباع ابن حنبل للنصوص والمأثورات , ولها وحدها, إلى الحد الذي جعله لا يرجع , بالرأي أو العقل أو القياس , مأثورة على أخرى عندما تتعدد وتتضارب وتتعارض المأثورات في الأمر الواحد والقضية الواحدة , فكان يفتي بالحكمين المختلفين لأن لديه مأثورتين في الموضوع ! . . وبعبارة ابن القيم : "فإن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عن ابن حنبل في المسألة روايتان ! . . " (7) .
   أما أركان هذا المنهج النصوصي وأصوله , كما صاغها إمام السلفية , فهي خمسة , يذكرها ابن القيم بهذا الترتيب :
      "الأصل الأول: النصوص:  فإذا وجد النص أفتى به , ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه , كائنا من كان . . . ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف . .
   الأصل الثاني :ما أفتى به الصحابة : فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى , ولا يعرف له مخالف منهم فيها , لم يَعَّدُها إلى غيرها . . . ولم يقدم عليها عملاً ولا رأياً ولا قياساً . . .
   الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة , ولم يخرج عن أقوالهم , فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف , ولم يجزم بقول . . .
   الأصل الرابع : الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف , إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه : وهو الذي رجّحه[الحديث الضعيف](8)ـ على القياس . .
   الأصل الخامس : القياس للضرورة : فإذا لم يكن عنده في المسألة نص , ولا قول الصحابة , أو واحد منهم , ولا أثر مرسل أو ضعيف , عدل إلى القياس , فاستعمله للضرورة . . ." .
   هذه هي الأصول الخمسة لمنهج ابن حنبل وهي تدور وتعتمد أولا وقبل كل شيء آخر , بل وأخير على النصوص والمأثورات , وتقف عند هذه النصوص والمأثورات , وتنكر استخدام الرأي والقياس , فضلاً عن العقلانية والتأويل , حتى في ترجيح نص على آخر من النصوص . . ولقد كان ابن حنبل يسمى "النص" : "الإمام" !. . وكما يقول ابن القيم , معقباً على أصول منهجه : فإنه " كان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها عن السلف , ولقد قال لبعض أصحابه : إياك أن تتكلم في مسألة ليس فيها إمام !. . " (9) ويروى عنه ابنه عبد الله فيقول : "سمعت أبي يقول : الحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي" . . وعندما سأله ابنه عبد الله " عن الرجل يكون ببلد لا يجيد فيه إلا صاحب حديث , ولا يعرف صحيحه من سقيمه , وأصحاب رأي . . فمن يستفتي ويسأل؟ قال : يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي, ضعيف الحديث أقوى من الرأي!. ."(10) .
   وانطلاقاً من هذا "المنهج النصوصي" , الذي لا يلتفت لغير المأثورات , رأت السلفية أن علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم , منحصرون في النصوصيين , فهم قسمان : حفاظ الحديث , والفقهاء (11) . . . ورأت , كذلك , أن النصوص والمأثورات قد حوت كل شيء من أمور الدين والدنيا , وأن "الرسول قد بين كل شيء , وأنه قد توفى وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً , وعلمهم كل شيء . . "(12) .
   والنصوص التي جعلها المنهج السلفي مصدراً وحيداً قد شملت إلى جانب الكتاب والسنة أقوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فهم "الذين حازوا قصباً في السباق , واستولوا على الأمد , فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق  . . . فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها ؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها ؟ . . .لقد أيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً (13). . . وكانت أفهامهم فوق أفهام جميع الأمة , وعلمهم بمقاصد نبيهم صلى الله عليه وسلم , وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم . . ." (14).
   وبسبب من القداسة التي أضفاها المنهج السلفي على النصوص امتدت هذه القداسة للعصر الذي قيلت فيه تلك النصوص , وشاع في الحركة السلفية تعظيم الماضي , وزاد ذلك التعظيم كلما ازداد هذا الماضي إيغالاً في القدم واقتراباً من عصر صحابة الرسول , عليه الصلاة والسلام. . فكان أن قرروا " أن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين , وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين, وهلم جرا . وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب . . .فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين . . "(15).
   هكذا . . وعلى هذا النحو أضفت الحركة السلفية القداسة على النصوص والمأثورات , ووقف منهجها النصوصي عند هذه النصوص والمأثورات .. بل لقد وقف عند ظواهرها , عندما رفض أن يعمل فبها الرأي أو الاجتهاد أو التأويل أو القياس , حتى عندما كانت تتعارض وتتناقض نصوص هذه المأثورات ومضامينها !..
    ولقد روى أعلام الحركة السلفية إمامهم أحمد بن حنبل الكثير الذي يدعم المنهج النصوصي ويزكيه , وروورا عنه , كذلك , شعراً يقول فيه :
دين النبي محمد آثار       نعم المطية للفتى الأخبار
لا تخدعن عن الحديث وأهله             فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى طرق الهدى               والشمس طالعة لها أنوار
وروورا عن بعض أعلامهم أيضاً:
العلم : قال الله قال رسوله      قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة      بين النصوص وبين رأي سفيه
كلا ولا نصب الخلاف جهالة      بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا ردّ" النصوص تعمداً حذراً من التجسيم والتشبيه
حاشا النصوص من الذي رميت به من فرقة التعطيل والتمويه(16)

النص لا الرأي:
   في أمور الدين ـ لا الدنيا ـ يكاد يتفق علماء الإسلام على أنه لا مجال " للرأي" أو الاجتهاد إذا ما وجدت النصوص , لكن من عدا السلفية يشترطون في هذه النصوص , وحتى يمتنع بوجودها الرأي والاجتهاد , يشترطون فيها أن تكون "قطعية الدلالة وقطعية الثبوت" , بمعنى أن تكون دلالتها واضحة وقاطعة , لا تقبل الاحتمالات , وأن يكون ثبوتها قطعيا , من حيث الرواية , والأكثرون يشترطون في النصوص الدالة على أمور اعتقادية أن تكون "متواترة", ولا يقبلون الإلزام في هذا الباب بأحاديث الآحاد . . أما إذا لم تكن النصوص "قطعية الدلالة ,قطعية الثبوت" فإنهم ـ غير السلفية ـ لا يرون وجودها مانعاً من إعمال الرأي فيها أو الاجتهاد معها . . فالاجتهاد مع النصوص , في الحالات , أمر وارد , بل ومقرر عند غير السلفيين من العلماء . .
   أما علماء السلفية فإنهم يرون في وجود النصوص والمأثورات مانعاً من أعمال الرأي فيها , وذلك بصرف النظر عن قطعية دلالتها وقطعية ثبوتها . .  ولقد سبق ورأينا إفتاء أحمد بن حنبل بوجوب التزام الحديث الضعيف , والامتناع عن "الرأي" عند وجوده , وإفتاء بالحكمين المختلفين في الأمر الواحد عند وجود نصين متعارضين فيه , ذلك دون إعمال" الرأي" في الموازنة بينهما والترجيح لأحدهما على الآخر . . والروايات في هذا الباب عن إمام السلفية كثيرة , فمحمد بن أحمد بن واصل المقري يقول : " سمعت أحمد بن حنبل ـ وقد سئل عن الرأي؟ فرفع صوته , وقال : لا يثبت شيء من الرأي , عليكم بالقرآن والحديث والآثار . . ." (17) .
   أما عندما لا يوجد نص أصلاً في الأمر يعرض للإنسان , وبعد أن يعرض الأمر على الكتاب , ثم السنة , ثم مأثورات الصحابة وأقضيتهم فلا يجد فيها نصاً , فإن الأخذ "بالرأي" هنا يجوز , يتفق في ذلك السلفيون مع غيرهم من العلماء . . لكن علماء السلفية يعودون فيقتربون بهذا "الرأي" من "النصوص و  المأثورات" , ذلك عندما يقدمون مرتبة " الرأي" "المروي" عن الذين شاهدوا التنزيل , أي "رأي الصحابة" , ثم "الرأي المفسر للنصوص", ثم "الرأي الذي تواطأت عليه الأمة , وتلقاه خلفهم عن سلفهم" على غيره . . ثم يعودون أيضا فيقررون أن هذا "الرأي" , في هذه الحالات , وبهذه الشروط , لا يفيد أكثر من "الظن"! , وأنه غير ملزم للآخرين , بل ومذموم ! . . وبعبارة ابن القيم : فإن الصحابة يخرجون الرأي عن العلم , ويذمونه, ويحذرون منه, وينهون عن الفتيا به , ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن , وانه ليس على ثقة منه ومن الشيطان , وأن الله ورسوله بريء منه , وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة  من غير لزوم لأتباعه والعمل به . . .".
   ذلك موقفهم من "الرأي" .. جاء متسقاً مع منهجهم النصوصي , الذي ينحي العقل جانباً طالما وجدت النصوص والمأثورات .  
النص . . لا القياس :
   وفي الموقف من "القياس" نجد السلفية يقبلون جوانب يعدها غيهم من القياس , لكنهم يخرجونها من إطاره . . كما نجدهم يحددون للمقبول منه شروطاً تضيق منه نطاقه إلى حد كبير . . ثم ينظرون إليه نظرتهم إلى "الرأي" في حضرة النصوص! . .

   فإذا كان المراد بالقياس : "رد الشيء إلى نظيره " قبلوه , شريطة أن يكون التماثل بينهما تاماً ومن كل الوجوه . . وبعبارة الإمام أحمد : فإن " القياس : أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله , فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ. . " . . كما يقبلون رد الفروع إلى أصولها , وإن لم يعدوها ـ على خلاف الآخرين ـ قولاً بالرأي (17). . أما إذا أريد بالقياس : " المعنى المستنبط من النص لتعديه الحكم من المنصوص عليه إلى غيره " فإنه عندهم غير مقبول . . وهذا الذي لم يقبلوه من أنواع القياس هو الميدان الأوسع والأساس للقياس عند غير السلفيين من العلماء !. .
   وهذا الموقف الذي وقفه السلفيون من القياس هو الآخر أثر من آثار منهجهم النصوصي . . فهم تبعا لهذا المنهج , قد رأوا أن النصوص والمأثورات قد أحاطت بحكم جميع الحوادث , الماضي منها والحاضر والمستقبل , ومن ثم فلا حاجة للقياس , كما أنه لا حاجة للرأي , لأن النص إذا وجد ـ وهو في رأيهم موجود ـ فلا مكان للقياس . . ولقد عرض ابن القيم لموقف الفرق الإسلامية من إحاطة النصوص بحكم جميع الحوادث , وتحدث عن انقسام هذه الفرق , في هذه القضية إلى معسكرات ثلاثة , أنكر أولها إحاطة النصوص بأحكام الحوادث , بل ولا بعثر معشارها . . ومن ثم قرر أن الحاجة إلى القياس تفوق الحاجة إلى النصوص . . . وقابل هذه المعسكر القائلون ببطلان كل قياس , وتحريمه جلياً كان هذا القياس أو خفياً .. وهم لذلك أنكروا وجود الحكمة أو العلة في التشريع . . . أما المعسكر الثالث ـ وهم الأشعرية ـ فقد نفوا الحكمة والعلة والسببية , ومع ذلك أقروا بالقياس . . .
   وبعد أن يعرض ابن القيم لأراء هذه الفرق الثلاث في القياس , يقرر أن للسلفية موقفا متميزاً . . فهم يؤمنون بإحاطة النصوص بأحكام جميع الحوادث , ومع ذلك يقولون بالقياس " الصحيح " !. . وحتى يفهم جمعه بين هذين الأمرين , نقول أنه يجيز استعمال القياس "الصحيح" , أي الذي يكون الشبه فيه تاماً بين المقيس و المقيس عليه , عندما تخفى دلالة النص على العالم . . فالنص موجود , لكن خفاء دلالته يبيح للعالم القياس , فإذا فهم النص واتضحت موافقة القياس له كان صحيحاً , لأن العمدة هنا هو النص , وإن ظهر خلاف القياس مع النص كان فاسداً , لأن العمدة هو النص باستمرار . . وعبارته التي صاغ فيها مذهب السلفية هذا تقول : " الصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث , وهو : أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث , ولم يُحلْنَا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس , بل قد بين الحكام كلها , والنصوص كافية وافية بها , والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص , فهما دليلان للكتاب والميزان , وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس , ثم قد يظهر موافقاً للنص فيكون قياسا صحيحاً , وقد يظهر مخالفاً له فيكون فاسداً , وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته , ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته . . . إننا نقول قولاً ندين الله به , ونحمد الله على توفيقنا له , ونسأله الثبات عليه : إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط , وإن فيها غنية عن كل رأي وقياس وسياسة واستحسان , ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها " . . .
   بل لقد عقد في كتابه [أعلام الموقعين] فصولا ثلاثة , اعتبرها " من أهم فصول الكتاب" وجعل عناوينها :
*[الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام , والاكتفاء بها عن الرأي والقياس].
[الفصل الثاني : في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس , وبطلانه مع وجود النص].
[الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح , وليس فيما جاء به الرسول حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح] (18).. هذا هو موقف المنهج النصوصي , للسلفية , من القياس .
النص . . لا التأويل . . ولا الذوق . . ولا العقل . . ولا السببية :  
   واتساقاً مع منهج السلفية النصوصي رفضوا " التأويل " ـ الذي هو : صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله(19) . . . بل ذهبوا إلى أن التأويل هو الذي أفسد سائر الأديان , وحولها عن الاستقامة والسداد (20) . .
   وكذلك رفضوا "ذوق" الصوفية و "وجدهم" , لأنها أمور ذاتية تختلف باختلاف أهواء صاحبها وما يحبه ويهواه , واستنكروا تقسيم الصوفية الأمور إلى "شريعة" لغيرهم ,"حقيقة" لهم , جعلوا سبيلها الرياضة والسلوك , غير المقيد بأمر الشارع ونهيه , إكتفاء" بالذوق والوجد" , , لأن النصوص هي مصدر الأمر والنهي الإلهيين(21) ..  
   كما رفضوا ما يسميه المتكلمون "حقائق عقلية" لم تشهد عليها السمعيات .. وعرضوا وهم يناقشون هذه القضية للموقف من العقل , فلم ينكروه لأن السمعيات قد تحدثت عنه " وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ"(22)" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"(23) "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا"(24) .. ولكنهم أنكروا "العقل" كما تصوره الفلاسفة اليونان, ومن نحا نحوهم من علماء الإسلام وفلاسفته , وهو التصور الذي يجعل " العقل عندهم جوهراً قائماً بنفسه " , وقالوا : إن "العقل" لا يعدو : " الغريزة التي جعلها الله في الإنسان يعقل بها " .
   وهذا الخلاف حول "العقل" . . هل هو جوهر قائم بنفسه , أم مجرد " غريزة جعلها الله في الإنسان " ليس خلافاً شكلياً ولا هيناً , ذلك أن القول بأنه جوهر قائم بنفسه يجعله أداة تدرك كنه الأشياء وإن لم ترد فيها نصوص ولا مأثورات , وأما إذا كان مجرد غريزة جعلها الله في الإنسان يعقل بها فإن هذا التصور له يوحي بعدم استقلاله بالإدراك , كسبب أول لهذا الإدراك . . . ويزكي هذا التفسير أن السلفية يحكمون بالضعف أو الوضع على كل " ما ورد في فضل العقل من الأحاديث !" (25) . . فنحن هنا بإزاء موقف يغضّ من شأن العقل لحساب النصوص والسمعيات . . وهذا الموقف الذي تتخذه السلفية من العقل لا يوافقهم عليه الكثيرون من فرق الإسلام وعلمائه , هؤلاء العلماء الذين لم يمنعهم الخلاف حول تقديرهم لسلطان العقل بإزاء السمعيات , ولا اختلافهم في تعريف العقل من تجريح تعريفه القائل :"إنه جوهر مجرد, يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة. ."(26) .
   أما السببية . . فإن السلفية تتخذ منها موقفاً وسطاً ـ أو يبدو كذلك ـ .. ففي رأي ابن القيم أن الناس قد افترقوا بإزاء الأسباب والسببية إلى طرق ثلاث . . فقوم أنكروا السببية على الإطلاق , وقالوا إن الله سبحانه , هو السبب الأوحد لوجود المسببات . . . وقوم أثبتوا السببية , وقالوا بلزوم المسببات عن أسبابها لزوم المعلول عن العلة , دائماً وأبداً , دون تخلف , وهؤلاء هم "الطبائعية والمنجمون والدهرية" . . . والفريق الثالث , وهم السلفية اعترفوا بالأسباب  وبفعلها في المسببات , لكن ليس على وجه الاستقلال بالفعل , لأن المسبب , عندهم , يظل دائماً و أبداً محتاجاً , كي يفعل المسبب , إلى سبب آخر, والسبب الذي يفعل دون حاجة إلى سبب غيره هو الله سبحانه (27) . . . "فما شاء كان , وإن لم يشأ الناس , وما شاء الناس لا يكون إلا ما يشاء الله . . . والله وإن كان قد خلق ما خلقه لأسباب , فهو خالق السبب والمقدر له , والسبب مفتقر إليه كافتقار المسبب , وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر , بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه , وإلى ما يدفع عنه الضرر الذي يعارضه ويمانع , وهو , سبحانه , وحده الغني عن كل ما سواه . . ." (28) .
  ومن يمعن النظر في هذا الموقف , الذي حسبه السلفية طريقا ثالثاً بين منكري السببية بإطلاق ومثبتيها بإطلاق , يجده شديد الشبه بموقف الذين ينكرونها , لأن الأسباب إذا لم تستقل بالفعل لم تكن فاعلة على التحقيق , ومن ثم لم تكن أسباباً للمسببات , والقول بأنها مستقلة بالفعل لا يتعارض مع أنها , كغيرها , مخلوقة لله , فمثلها كمثل القوانين والسنن في الكون , برأها الله لتفعل هي أفعالها دون تبديل . . .ولكنه المنهج النصوصي الذي اختارته السلفية , واتسقت مع معطياته وهي تنظر في مختلف المجالات . .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)              [أعلام الموقعين] ج1ص137. طبعة بيروت سنة1973م .
(2)              [عقائد السلف] ص11,12 للأئمة احمد بن حنبل , والبخاري , وابن قتيبة, وعثمان الدرامي . جمعها ونشرها :د . علي سامي النشار, د .عمار الطالبي . طبعة الإسكندرية سنة1971م .
(3)              أعلام الموقعين .ج1ص49.
(4)              ابن تيمية [العبودية] رسالة منشورة [مجموعة التوحيد] ص645 . طبعة دار الفكر ـ بيروت ـ مصورة عن طبعة المكتبة السلفية بالمدينة المنورة .
(5)              انظر المصدر السابق ـ [رسالة العبودية] ص560,561 ورسالة [الواسطة بين الحق والخلق] ص148 .
(6)              أعلام الموقعين . ج1ص28.
(7)              المصدر السابق ج1ص29.
(8)              الحديث الضعيف ـ عند ابن حنبل ـ كما يقول ابن القيم ـ هو المقابل للصحيح , وقسم من أقسام الحديث الحسن , فهو ليس الضعيف الذي تعارف عليه المتأخرون من علماء الحديث.
(9)              أعلام الموقعين . ج1ص 29 ـ33.
(10)         المصدر السابق ج1 ص76,77.
(11)         المصدر السابق ج1ص8,9
(12)         المصدر السابق ج4ص375.
(13)         المصدر السابق ج1ص5,6.
(14)         ابن القيم [الطرق الحكمية في السياسة الشرعية]ص178 , تحقيق د محمد جميل غازي .طبعة سنة 1977م .
(15)         أعلام الموقعين . ج4 ص118 .
(16)         أعلام الموقعين . ج1 ص79.
(17)         المصدر السابق .ج1ص269,053.
(18)         المصدر السابق ج1ص 333ـ 337, 267,268,350.
(19)         أنظر [التعريفات] للشريف الجرجاني . طبعة القاهرة 1938م.
(20)         أعلام الموقعين .ج4ص 250.
(21)         ابن تيمية [رسالة العبودية] ص567, 568ـ ضمن [مجموعة التوحيد] .
(22)         تبارك :10.
(23)         الرعد:4.
(24)         الحج:46.
(25)         ابن تيمية : [العبودية] ص 568 و [الفرقان بين أولياء الحمن وأولياء الشيطان] ص776, 737 ضمن [مجموعة التوحيد] .
(26)         [التعريفات] للجرجاني.
(27)         اعلام الموقعين ج299,298 .
(28)         ابن تيمية [الواسطة بين الحق والخلق] ص149,148. و[العبودية]ص606,605, ضمن مجموعة التوحيد


السـلـفـيـة
د/ محمد عمارة
النصوص وحدها مصدر الحلال والحرام :
   ومن إيجابيات المنهج النصوصي للحركة السلفية تضييق دائرة "الحرام والحلال" , بقصورها على الأمور الدينية التي وردت فيها النصوص والمأثورات , وذلك على عكس الذين توسعوا في هذا الباب , متخذين الراي والقياس , بل والشهوات وسيلة لإحراج الناس والتضييق عليهم , عندما مدوا نطاق "الحل والحرمة" إلى ما وراء أمور الدين التي نص الشارع على حلها أو حرمها. . والسلفيون يميزون , هنا بين حكم البشر وبين حكم الله ورسوله . . فحكم الله ورسوله , القائم في النصوص , هو الذي يندرج تحت "الحل والحرمة والوجوب والكراهة الدينية " , أما ما عدا ذلك من أحكام البشر , في الأمور التي لم يرد فيها نص فإنها تدخل في باب النافع أو الضار , وما ينبغي وما لا ينبغي , وما يحسن وما لا يحسن . . ومن أدخلها في نطاق الحلال والحرام فقد ادعى لنفسه سلطان الله ! . . وفي نص واضح وحاسم وشامل يقول ابن القيم : إنه " لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته , أمّا ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له أن يشهد على الله ورسوله به , ويغرّ الناس بذلك , ولا علم له بحكم الله ورسوله . قال غير واحد من السلف : ليحذر أحدكم أن يقول : أحل الله كذا , أو حرم الله كذا , فيقول الله له : كذبت : لم أحل كذا , ولم أحرمه . وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله قال : " وإذا حاصرت حصناً فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله , فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ,فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا , ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك " . . . فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد , ونهى أن يسمي حكم المجتهدين حكم الله . . ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر , فقال : لا تقل هكذا , وكن قل : هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول : لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً اقتدى به يقول في شيء : هذا حلال , وهذا حرام , وما كانوا يجترئون على ذلك , إنما كانوا يقولون : نكره كذا , ونرى هذا حسناً , فينبغي هذا ولا نرى هذا . . ولا يقولون حلال ولا حرام , ما سمعت قول الله تعالى : "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟" (1) الحلال : ما أحله الله ورسوله , والحرام : ما حرمه الله ورسوله . . . وسمعت شيخ الإسلام (2) يقول : حضرت مجلساً فيه القضاة وغيرهم , فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر(3) , فقلت له ما هذه الحكومة؟ فقال : هذا حكم الله , فقلت له : صار حكم زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة ؟ قل هذا حكم زفر ولا تقل هذا حكم الله . . "(4) .
   ولابن تيمية نص آخر يعلل فيه الموقف السلفي , النابع من منهجهم النصوصي , يقول فيه : " . . والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه , كما يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه , إذ الدين ما شرعه الله , والحرام ما حرمه الله , بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله , وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً , شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله . . "(5) .
ونحن إذا قارنا هذا الموقف السلفي , الذي يميز بين حكم الله وحكم المجتهدين من الناس , بموقف أولئك الذين يجعلون فتاواهم , فيما لا نص فيه , قسماً من أقسام الحلال والحرام ,  أي ديناً وشرعاً , وجدنا الموقف السلفي يرفع الكثير من الحرج عن الناس عندما يترك ما لم يرد فيه نص بعيداً عن ميدان الحل والحرمة , على حين يضيق الآخرون على الناس بإدخالهم جميع المعاملات الإنسانية في إطار الحلال أو الحرام !. .
تناقض :
   لكننا إذا تتبعنا مدى التزام أعلام الحركة السلفية بمنهجهم النصوصي هذا , لم نعدم رؤية شيء من التناقض وقعوا فيه , وابتعدت آراءهم في مواضعه عن الاتساق مع منهجهم النصوصي .. ذلك أن من آراء الحركة السلفية الجيدة والمتقدمة رأيها في "تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد " وهم يصفون هذا المبدأ بأنه" عظيم النفع جداً" , كما أنهم قد أسسوه على أن " الشريعة مبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد . . . فمبناها وأساسها على الحِكَم , وهي عدل كلها , ورحمة كلها , ومصالح كلها, وحكمة كلها . . ."(6) .
   وهم كذلك يؤسسون العلم الضروري للحاكم ـ[القاضي] ـ على نوعين من الفقه : فقه الواقع الذي يعيشه الناس . . .وفقه النصوص الواردة في المشكلات التي يرفعها إليه المتحاكمون . . ويجعلون القضاء : مطابقة الواجب من النصوص على أحكام العرف والواقع والحوادث . . بل ويرون أن معرفة الواقع والتفقه فيه هو المنطلق إلى معرفة حكم الله ورسوله في هذا الواقع "فههنا نوعان من الفقه, لا بد للحاكم منهما : فقه في أحكام الحوادث الكلية , وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس . . ثم يطابق بين هذا وهذا , فيعطي الواقع حكمه من الواجب , ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع(7). . . فالمفتي والحاكم ـ[القاضي]ـ والعالم : من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله . . ."(8).
   ولما كان هذا الواقع متغيراً متطوراً كانت الفتاوي والأحكام متغيرة متطورة هي الأخرى , لأن تغير الواقع يستلزم تغير المصالح , وهي التي مبنى الشريعة الإسلامية . . . ولقد ضرب أعلام السلفية العديد من الأمثلة على أمور تغيرت فيها الفتاوي والأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة واختلاف المصالح . . .
  • فالقرآن والسنة قررا الحد على السارق . . . لكن عام الرمادة جعل عمر بن الخطاب "يرى" إسقاط القطع عن السارق .
  • والقرآن والسنة النبوية ـ القولية والعملية ـ جعلت الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة , وجاء الإجماع فصدق على النصوص من أبي بكر وسنتين من خلافة عمر . . . ثم "رأى" عمر بن الخطاب أن يغير الفتوى والحكم فجعله ثلاثاً . . . أي أننا بإزاء حكم "دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم , ولم يأت بعده إجماع يبطله , ولكن "رأى" أمير المؤمنين عمر أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق , وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة , "فرأى" من "المصلحة" عقوبتهم بإمضائه عليهم ..."(9).
  • الإماء وأمهات الأولاد : كن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . . فهذا البيع مقرر كسنة . . فلما كانت خلافة عمر بن الخطاب " منع بيع أمهات الأولاد . . وكان ذلك "رأياً" منه رآه للأمة . . ."(10) .
  • . . . الخ . . . الخ . . . . 
فنحن , إذن , بإزاء أحكام قررتها نصوص, من القرآن والسنة معاً , أو من السنة وحدها , أو من القرآن والسنة والقياس والإجماع و سواء في العهد النبوي أو عهد الخلفاء . . . ثم تغير الواقع , فتغيرت المصالح , فجاء "الرأي" فغير الأحكام . . . هكذا حكى أعلام السلفية , من أحمد بن حنبل إلى ابن القيم . . . وعلى أساس هذه الوقائع قرروا أن "الفتاوي والأحكام تتغير وتختلف بحب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد " . . . بل لقد جعل ابن القيم من العبارة عنوان فصل عقده لهذا الموضوع , ووصفه بأنه " فصل عظيم النفع جداً "(11) . . . وهنا . . وعند هذا الموقع من التأمل والنظر , نسأل :
  • ألا يتناقض هذا الذي سلم به السلفيون , بل قرروه , وعقدوا له الفصول في آثارهم الفكرية , ألا يتناقض مع منهجهم النصوصي , الذي يحرم "الرأي" عندما يوجد النص , حتى ولو كان ذلك النص حديثاً ضعيفاً؟! . .
إننا نرى التناقض واضحاً وجلياً . . . ذلك أن القول بتطور الواقع وتغيره ـ وهي حقيقة ـ . . وبتغير المصالح تبعاً لتغير الواقع وتطوره ـ وهي حقيقة ثانية ـ . . . ثم القبول بتغير الأحكام والفتاوي "بالرأي" , بسبب هذه المتغيرات , رغم وجود النصوص والمأثورات . . . إن القول بذلك إنما يهز ثبات العموم والإطلاق الذين قررهما المنهج السلفي لسلطان النصوص والمأثورات !. .
   وحتى إذا سلمنا بأن هذه الأسئلة , التي غير فيها "الرأي" أحكاماً تقررت من قبل بالنصوص , هي من "السياسات الجزئية" , وليست من "الشرائع الكلية التي تتغير بتغير الأزمنة" فإن العموم والإطلاق اللذين يضفيهما المنهج على النصوص سيهتز ثباتهما بالتأكيد . . . ولعل ابن القيم قد شعر بهذا التناقض فقال :"والمقصود أن هذا وأمثاله سياسة جزئية , بحسب المصلحة , تختلف باختلاف الأزمنة , فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة . وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة , وأضعافها , هي تأويل القرآن والسنة . ولكن : هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة ؟ أو من السياسات الجزئية التابعة للمصالح , فتتقيد بها زماناً ومكاناً؟ . . . إن أضعاف هذه المسائل مما جرى العمل فيه على العرف والعادة . . ."(12) . . . ونحن نتفق معه في أن كل ما ارتبط بالمصالح فالتغيير فيه , بواسطة "الرأي" , بل وبواسطة "التأويل" ـ كما قال هو ـ أمر وارد ومقرر , رغم وجود النصوص والمأثورات . . . وبعد ذلك لنا أن نسأل : إذا كان هذا التغيير في الأحكام قد امتد إلى الحدود ـ حد السرقة وحد الخمر ـ فهل هما من السياسات الجزئية ؟ . . وما هي , إذن , الشرائع الكلية ؟ . . . وفي رأينا أن الأوفق هو النأي "بالعقائد والثوابت" عن التغير تبعاً للزمان والمكان , وما عداها , مما يرتبط بالمصالح من الشرائع والسياسات , فإن "للرأي" فيه مجالاً , تبعاً للواقع والمصلحة , حتى مع وجود النصوص والمأثورات . . فكما يجب التمييز بين شرائع وسياسات ترتبط بالمصالح , وتتغير بتغيرها , وأخرى ثابتة لا تتغير , كذلك يجب التمييز بين نصوص "العقائد والثوابت" ونصوص المتغيرات ! . .
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)                يونس :59.
(2)              أي ابن تيمية , شيخ ابن القيم .
(3)              زفر بن الهذيل [110ـ 158هـ 728ـ 775م] فقيه كبير , من أصحاب أبي حنيفة , أسهم إسهاماً ملحوظا في تدوين الكتب .
(4)              إعلام الموقعين . ج4 ً176,175 . ج 1 ص 39.
(5)              [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية] ص180, طبعة القاهرة سنة 1971 م.
(6)              أعلام الموقعين . ج3ص3.
(7)              الطرق الحكمية ص130,5.
(8)              أعلام الموقعين .ج1ص 87, 88.
(9)              المصدر السابق ج3ص 10ـ12 , 30ـ 35 , 36, 41 . والطرق الحكمية ص 23.
(10)         الطرق الحكمية . ص24 .
(11)         أعلام الموقعين .ج3ص 3.
(12)         الطرق الحكمية . ص33,26,25 .


د/ محمد عمارة

 

الدائرة الإسلامية


محمد الغزالي
الدائرة الإسلامية :
    يقول المناطقة لكى يكون التعريف صحيحا يجب أن يكون جامعا مانعا. ومعنى أنه جامع أن يشمل جميع أفراد المعرف فلا يترك واحدا ، ومعنى أنه مانع ألا يسمح بدخول نوع آخر لا علاقة له بالمعرف. ونحن نريد أن نحدد الدائرة التى تعنيها كلمة "مسلم " فلا يخرج منها أحد له ذرة من دين ، ولا يدخل فيها أحد مبتوت الصلة بهذا الدين. تعنى حقيقة الإسلام عدة أمور:
أ‌-    معرفة الله على وجه صحيح فهو سبحانه لا شريك له ، وليس كمثله شىء ، منزه عن كل نقص ، منعوت بكل كمال.
ب‌-        الاعتراف بحقوقه على خلقه ، فهو الرب المعبود ، الذى يطاع أمره وينفذ حكمه! والعلاقة بيننا وبينه بعد معرفته هى الخضوع له والسمع والطاعة لما يجىء منه!
 ج- مظهر هذا الخضوع هو اتباع النبى الخاتم الذى أتم به كل الرسالات ، وأظهر على لسانه مراده من عباده إلى آخر الدهر.. ولنستطرد قليلا فى شرح الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن هذا الرسول الكريم هو الذى عرفنا بحقيقة الدين منذ الأزل بعدما عفَّرها الأولون بالتراب حتى محوا معالمها. وهو الذى كرم إخوانه السابقين ، وكشف عنهم تهما شائنة تتصل بأخلاقهم وأعراضهم.. وهو الذى شق بسيرته الماجدة طريق الكمال الإنسانى ، فإذا هو خلال الستين عاما التى قضاها فى الدنيا نور يضىء الظلمة ، وطهر يمحو الجاهلية ، ورحمة تنشر البر والنماء ، وقدرة ترفض الضعف وتدعم الحق وتقهر الجبروت..!! ما عرفت هديا للعقل ولا صدى للفطرة ولا نداء للإنسانية إلا رأيت معنى ذلك ومبناه فى دين محمد وسيرة محمد ، ولذلك آمنت به..
ثم أدركت لماذا تكون الإسلام من كلمتين " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". المسلم الحق إنسان يؤمن بالله ويعمل الصالحات. يزكى بذلك نفسه ويمهد للقائه بربه. وهو يتعاون مع إخوانه المؤمنين على بناء مجتمع مؤمن صالح ينقل هذه الحقائق من السلف إلى الخلف ، ويوسع نطاقها فى الحياة بالدعوة والأسوة. وهو متهئ فى أى وقت لافتداء دينه بدمه إذا أبى الفتانون إلا إحراجه واجتياح دينه ومجتمعه ، فالمسلم يحيا لربه قبل أن يحيا لنفسه. على أن الإسلام ـ فى النفس أو فى المجتمع ـ يصح ويقل ، ويقوى ويضعف ، بل يحيا ويموت! والمجتمع الراسى على عقائده قد يصمد للأهواء والفتن أمدا طويلا ، وقد تهتز الدعائم فينفرط عقده ويسقط علمه.. وكذلك النفس الإنسانية ، إن المرء قد يكون صلب الإيمان متين الخلق فيخرج ناصع الجبين من شتى العواصف ، وهناك من يصبح مؤمنا ويمسى كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا.. ونريد هنا أن نرسم الخط الأخير الذى يفصل بين الحق والباطل ، والذى يرتد عن الإسلام من اجتازه.. والحق أن العلماء تريثوا كثيرا وهم يرسمون.. هذا الخط ، واتأدوا فى إصدار حكمهم بالتكفير لأن الأمر جد خطير..! وهم عندما يحكمون بارتداد مسلم لا يفعلون ذلك إلا بعد ما ييئسون من كل تأويل أو اعتذار. ونستطيع على ضوء ما شرحنا من حقيقة الدين أن نعرف متى يقع الانسلاخ منه.. فإذا كان الإسلام معرفة حسنة بالله ، فإنه يخرج منه من زعم أن لله ابنا ، أو ندا. أو زعم أن له خصائص البشر أو حل فى جسد. وإذا كان الإسلام التزاما بمبدأ السمع والطاعة لله رب العالمين ، فإنه يخرج منه من جحد أى واجب كالصلاة والصيام مثلا ، أو استباح أى محرم كالربا والزنا والخمر. وإذا كان الإسلام اتباعا لصاحب الرسالة الخاتمة وتصديقا لما جاء به ، فإنه يخرج منه من استهان بالرسول ، أو حقر كتابه ، أو أنكر ما هو معروف من دينه بالضرورة ، أو زعم أنه رسول خاص بالعرب ، أو أن أمد رسالته انتهى.. والأمثلة التى ضربناها نماذج يحتاج الأمر بعدها إلى تفصيل.. إن المسلمين متفقون على أن أصل الإيمان بالله الواحد لابد منه للبقاء على الإسلام ، وزيادة الإيمان أو نقصانه لا أثر لها بعد ذلك. وكذلك التصديق بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإن الريبة فى الرسول كفر صراح يخرج من الملة. أما فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه ـ وهو عنوان الخضوع ومبدأ السمع والطاعة لله ـ فإن للعلماء الراسخين تفصيلات عاقلة عادة فى هذا الموضوع. اتفقوا على أن رفض التشريع ارتداد ، كأن يرفض أحد جلد الزانى أو قطع السارق استنكارا للعقوبة واستبشاعا لها.. أو كأن يرفض أحد إقام الصلاة وصيام رمضان ، لأن هذه الأركان تعطل الإنتاج كما يزعم بعض الرعاع. ولم يقل أحد من المتقدمين أو المتأخرين: إن رفض النصوص القطعية يبقى صاحبه فى الإسلام. أما ترك فرض أو فعل كبيرة مع الشعور بالإثم ، فإن صاحب هذا المسلك يعد مسلما عاصيا ولا يوصف بالكفر. وأساس ذلك قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ونرى أن هذه الآية تحتاج إلى بعض التدبر لنفقه فحواها.. ولنسأل أولا عما دون الشرك الذى يمكن أن تتناوله المغفرة... هل جحود الألوهية ـ كما يرى الماديون ـ دون الشرك؟ كلا إنه أسوأ حالا وشر مقالا ، فالمشرك يرى أن الله موجود ، ولكنه يضيف إلها ثانيا أو ثالثا ، أما المعطلة فلا يقولون بإله أصلا ولا تنتظر لهم مغفرة أبدا.. هل الاعتراف بالألوهية مع إعلان الحرب عليها دون الشرك؟ كلا ، إن إبليس يوقن بوجود الله ، ولكنه مع إصرار سابق ولاحق يقول لله : لا طاعة لك عندى ، فهل ذلك دون الشرك؟! إنه مثله أو أقبح منه! إن ما دون الشرك هو عصيان الموحدين الذين يغلبهم الهوى ، ويصيبهم العمى فلا يلزمون الصراط المستقيم. وربط مستقبلهم بالمشيئة العليا يرجع إلى أن الله وحده هو الذى يعلم ملابسات انحرافهم ، ومبلغ نشاطهم أو كسلهم فى جهاد أنفسهم. وطالما أكدنا أن المشيئة لا تعنى الفوضى ، وإنما تعنى هيمنة رب العباد على العباد فهو بهم خبير ، ولظروفهم مقدر : (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم). وأرى أن تحديد معنى الجحود والإصرار والإدمان لا بد أن يشترك فيه لفيف من علماء الفقه والنفس والاجتماع ، فالأمر أكبر من أن يطرح على بساط البحث النظرى أو الجدل الكلامى.. وفى تاريخنا القديم حاول البعض أن يدخل فى هذه القضية بغباء ، فأساء إلى نفسه وإلى الحقيقة.. نعم حاول الخوارج بنزق أن يرسموا خط الخروج عن الإسلام ، فكفروا مسلمين صالحين ، ومالوا بقواهم على خيرة الناس فأحرجوهم وأوهنوا قواهم.. وكان رد الفعل تطرفا غبيا ، فظهر المرجئة يدخلون فى دائرة الإسلام أصحاب الشهوات الجامحة والأفكار الضالة. والغريب أنى وجدت فى هذا العصر الصنفين معا وأصحاب المنطقين الشاردين!! إننا نشكو إلى الله حكاما يخذلون الإسلام ويمالئون الشيوعية أو الصليبية العالمية ، وقبل ذلك نشكو إلى الله متدينين كذبة قست قلوبهم على عباد الله ، وذهبوا بأنفسهم مذهبا مستعليا فهم يرمون بالكفر والفسق من شاءوا ، لا سناد لهم إلا فقها قليلا وترتيلا كثيرا.. قشور من العبادة على باطن خرب ، وأثرة مفرطة ، وتطاول غريب لا يحترم علما ولا سابقة.. المسلم الحق طبيب يأسو الجراح ، ويرحم الضعاف ، ويرشد الحيارى ، ويتلطف مع الضالين حتى يثوب بهم إلى طريق الله. وهؤلاء جعلوا ما عرفوا من الدين تكأة للنيل من غيرهم والارتفاع على أنقاضهم.. كان رسول الله يأسى لعناد الكافرين ويحزن لإصرار الضالين ، ويتمنى من أقصى فؤاده لو اهتدوا إلى الحق..
وهؤلاء يجعلون من خطأ غيرهم مددا للغرور وسببا إلى احتقار الجاهلية والجهال.. الرسول يقول لمن بلغ عن معصية عاص : هلا سترته بثوبك. وهؤلاء يجدون فى المعصية فرصة للتشفى وضرب الجانى ويشعرون بفرح خبيث لسقوطه.. ذكرت فى أمراض القلوب نموذجا لأولئك المتدينين المتكبرين ، وكيف عاب بعضهم على رسول الله قسمته لمال جاءه ، تألف به بعض الناس لمصلحة الدعوة الإسلامية ، ثم قرأت فى مسلك أحدهم ما جعلنى أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة.. جاء فى الحديث: " فقال رجل: كنا نحن أحق بهذا المال من هؤلاء! فبلغ النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله ـ فقال : ألا تأمنونى وأنا أمين مَنْ فى السماء؟ يأتينى خبر السماء صباحا ومساء! فقام رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار ، فقال: يا رسول الله اتق الله..!! فقال: ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن أتقى الله؟! ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلى. قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس فى قلبه. فقال رسول الله ، إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس  ، ولا أشق بطونهم. ثم نظر إليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية إن الإسراع فى اتهام الناس وتلويث سمعتهم ليس دينا ، والحكمة فى معالجة الأخطاء مطلوبة ، وفى الحديث: "إن الله يحب الرفق فى الأمر كله " . ولا يعنى هذا أبدا ترك الجرائم تسرح فى المجتمع ، كما لا يعنى إطفاء مشاعر الغضب لله والغيرة على حدوده ، ذاك شأن غير ما نحن بصدده..
قلت يوما لرجل تعود السكر: ألا تتوب إلى الله؟ فنظر إلىَّ بانكار ودمعت عيناه ، وقال: ادع الله لى..!! تأملت فى حال الرجل ورق له قلبى. إن بكاءه شعور بمدى تفريطه فى جنب الله ، وحزنه على مخالفته ، ورغبته فى الاصطلاح معه. إنه مؤمن يقينا ، ولكنه مبتلى! وهو ينشد العافية ويستعين بى على تقريبها.. قلت لنفسى: قد يكون حالى مثل هذا الرجل أو أسوأ. صحيح أننى لم أذق الخمر قط ، فإن البيئة التى عشت فيها لا تعرفها ، لكنى ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلنى أذهل عن ربى كثيرا ، وأنسى حقوقه. إنه يبكى لتقصيره ، وأنا وأمثالى لا نبكى على تقصيرنا ، قد نكون بأنفسنا مخدوعين.. وأقبلت على الرجل الذى يطلب منى الدعاء ليترك الخمر ، قلت له: تعال ندع لأنفسنا معا.. ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). إننى أطلب من المشتغلين بالدعوة أن يتقوا الله فى الناس ، وأن يتفقهوا فى الدين فإن من يرد الله به شرا يحرمه الفقه فى الدين ، ولو كان ثرثارا يخطب فى كل ناد.
* * *
    ألف الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوى رسالة جيدة عن "ظاهرة الغلو فى التكفير" نوصى بقراءتها ، وقد أراحنا من الكتابة فى الموضوع ، ونقتطف هذه النقول عنه نفعا لمن يطالعون كتابنا هذا. قال أرشده الله وأيد به: وجوب التفرقة بين النوع والشخص المعين: وهنا أمر يجب أن نستلفت النظر إليه ، وهو ما قرره المحققون من العلماء من وجوب التفرقة بين الشخص والنوع فى قضية التكفير. ومعنى هذا أن نقول مثلا: الشيوعيون كفار. أو الحكام العلمانيون الرافضون لحكم الشرع كفار ، أو من قال كذا أو دعا إلى كذا فهو كافر ، فهذا وذاك حكم على النوع. فإذا تعلق الأمر بشخص معين ، ينتسب إلى هؤلاء أو أولئك ، وجب التوقف للتحقق والتثبت من حقيقة موقفه ، بسؤاله ومناقشته ، حتى تقوم عليه الحجة. وتنتفى الشبهة ، وننقطع المعاذير. وفى هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن القول قد يكون كفرا ، فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: من قال هذا هو كافر. لكن الشخص المعين الذى قاله لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التى يكفر تاركها". وهذا كما فى نصوص الوعيد ، فإن الله تعالى يقول: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا). "فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد. فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار ، لجواز ألا يلحقه الوعيد ، لفوات شرط ، أو ثبوت مانع. فقد لا يكون التحريم بلغه ، وقد يتوب من فعل المحرم.. وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة المحرم. وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه ، وقد يشفع فيه شفيع مطاع " قال: "وهكذا الأقوال التى يكفر قائلها: قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ". قال "وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها". "وقد تكون عرضت له شبهات يعذره الله بها". قال: "ومذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والمعين "فإذا كان كل هذا الاحتياط واجبا فى شأن المصرحين بالكفر ، فكيف يجترئ مسلم على تكفير الجماهير التى تشهد أن " لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" وإن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؟ إن الإيمان قد يجامع شعبة أو أكثر للكفر أو الجاهلية أو النفاق. وهذه الحقيقة قد خفيت على كثيرين فى القديم والحديث ، فحسبوا أن المرء إما أن يكون مؤمنا خالصا أو كافرا خالصا ، ولا واسطة بينهما ، إما مخلصا محضا أو منافقا محضا. وقريب منه من يقول: إما مسلم محض أو جاهلى محض. ولا ثالث لهذين الصنفين.
وهذه طريقة كثير من الناس. حيث يركزون النظر على الأطراف المتقابلة دون الالتفات إلى الأوساط. فالشىء عندهم إما أبيض فقط أو أسود فقط ، ناسين أن هناك من الألوان ما ليس بأبيض خالص ولا بأسود خالص ، بل بين بين. ولا عجب أن نجد فئة من الناس ، إذا وجدت فردا أو مجتمعا لا يتحقق بصفات الإيمان الكامل ، بل توجد فيه خصائص النفاق ، أو شعب الكفر ، أو أخلاق الجاهلية ، سارعت إلى الحكم عليه بالكفر المطلق ، أو النفاق الأكبر ، أو الجاهلية المكفرة ، لاعتقادهم أن الإيمان لا يجامع شيئا من الكفر أو النفاق بحال. وأن الإسلام والجاهلية ضدان لا يجتمعان. وهذا صحيح إذا نظرنا إلى الإيمان المطلق "أى الكامل " والكفر المطلق ، وكذلك الإسلام والجاهلية والنفاق. أما مطلق إيمان وكفر ، أو مطلق إيمان ونفاق ، أو مطلق إسلام وجاهلية ، فقد يجتمعان. كما دلت على ذلك " النصوص " وأقوال السلف رضى الله عنهم. ففى الصحيح أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأبى ذر رضى الله عنه: إنك امرؤ فيك جاهلية هذا وهو أبو ذر فى سابقته وصدقه وجهاده. وفيه : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو داود عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: "القلوب أربعة: قلب أغلف ، فذلك قلب الكافر ، وقلب مصفح وذلك قلب المنافق ، وقلب أجرد فيه سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن ، وقلب فيه إيمان ونفاق ، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب ، ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم ، فأيهما غلب عليه غلب ". وقد روى مرفوعا ، وهو فى مسند أحمد مرفوع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الذى قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان). فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب ، فلما كان يوم أحد ، غلب نفاقها ، فصاروا إلى الكفر أقرب. "وروى عبد الله بن المبارك ـ بسنده ـ عن على بن أبى طالب قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء فى القلب ، فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد القلب بياضا ، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله. وإن النفاق يبدو لمظة سوداء فى القلب ، فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا ، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب. وايم الله ، لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ، ولو شقتتم عن قلب الكافر لوجدتموه أسود وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل. قال شيخ الإسلام: وهذا كثير من كلام السلف: يبينون أن القلب قد يكون فيه إيمان ونفاق. والكتاب والسنة يدلان على ذلك. قال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر شعب الإيمان ـ وذكر شعب النفاق ، وقال من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها ، وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب الإيمان. وقال الإمام الشهيد: لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين ، وعمل بمقتضاهما ، وأدى الفرائض برأى أو بمعصية إلا إن أقر بكلمة الكفر ، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة؟ أو كذب صريح القرآن ، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال ، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر...
* * *
التكفير :
   الرغبة فى تكفير الناس ، وانتقاص أقدارهم ، وترويج التهم حولهم ، مرض نفسى بالغ الخبث ، وأصحابه يتناولهم بلا ريب الوعيد الإلهى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)..! والتصاق هؤلاء المرضى بالإسلام ، أو تصدرهم فى ميدانه لا يغنى عنهم شيئا ، فإنهم فى الحقيقة غرباء عليه ، أو عقبات أمامه ، أو غبش فى مرآته.! محمد ـ صلوات الله عليه ـ رفيق رحيم ، وهؤلاء غلاظ قساة.. محمد يحض على ستر العيوب ، ويأخذ بأيدى العاثرين لينهضوا من كبوتهم ، وهؤلاء يكشفون العيوب ، أو يختلقونها إن لم توجد ، ثم ينتصبون ـ باسم الله ـ قضاة يقطعون الرقاب ، ويستبيحون الحقوق! وليس لله فيما يفعلون نصيب ، ولا لدينه مكان! لقد آذانى أن أجد فى مجال الدعوة فتانين من هذا النوع الهابط ، اتخذوا الإسلام ستارا لشهوات هائلة ، ولو وقعت أزمة الأمور بأيديهم لأهلكوا الحرث والنسل! كنت أقرأ للأستاذ عبد الرحمن أبى الخير كتابه "ذكرياتى مع جماعة المسلمين " " التكفير والهجرة" ، فامتلأت نفسى بمشاعر شتى من الحزن والغضب والألم ، وأدركت أن النجاح الذى يلقاه أعداء الإسلام فى تطويق حركاته لا يعود لذكائهم قدر ما يعود لغبائنا.. كان أولئك الذين تسموا بـ "جماعة المسلمين " شديدى الرغبة فى إهانة رجال الإسلام وافتراء الإفك عليهم. ألف أحدهم كتابا عن الإخوان المسلمين ، وزعم فيه أن حسن البنا ماسونى!!! قال الشيخ عبد الرحمن: "استلفتت هذه العبارة نظرى ، فاستوقفت قارئها ـ وهو المؤلف ـ فأصر عليها ، وذكر مبرراتها ، ولم تكن سوى عبارات قالها الأستاذ الإمام للصحفيين الأجانب ـ فى أحد لقاءاته بهم ـ لا دلالة فيها على شىء ، ونصحته بالعدول عما كتبه. قال الشيخ عبد الرحمن: وكم جلب على هذا النصح لقد بت ليلتها غير آمن على نفسى ، إذ نهرنى الشيخ شكرى ـ زعيم الجماعة ـ رغم كبر سنى ورغم ما يكنه لى فى نفسه من تقدير... لقد نهرنى قائلا: تنصحه؟ لا تقل ذلك! كيف تنصحه..؟ قال الشيخ عبد الرحمن: فسحبت نصيحتى على الفور ، وآثرت الصمت والاستماع دون مناقشة إلى أن انتهى المتحدث من اتهام الإمام الشهيد بأنه كان ماسونيا . أهذا جو إسلامى أم جو عصابات ؟ أهذا ميدان دعوة إلى الله أم ميدان للصد عن سبيله؟ وفى موضع آخر من الكتاب الذى يحكى الذكريات الأسيفة ، يقول المؤلف: نشرت الجمهورية نبأ تنفيذ حكم الإعدام فى الأستاذ صالح سرية ، وكارم الأناضولى المتهمين فى قضية اقتحام الكلية الفنية العسكرية ، فسألت "أبا مصعب" أن نصلى عليهما صلاة الغائب على اعتبارهما شهيدين من شهداء الحركة الإسلامية! فرفض " أبو مصعب "، وصرح بأنه لا يصلى عليهما. وكنت مندهشا لذلك فلست أعلم لهما موقفا عدائيا منا ، بل لقد بهرنى فهمهما الواعى للإسلام وما يلقى من مؤامرات. وكم هزنى شمول النظرة لدى كارم الأناضولى ، وإحساسه بطبيعة الحرب المسعورة التى شنتها الجاهلية ضد الحركة الإسلامية! وقلت: أى أبا مصعب بارك الله فيك ، لماذا لا نصلى عليهما؟ قال: لأننا قد بلغناهم الحق فرفضوه! متى بلغتموهم؟ فى سجن مزرعة طرة وغيره! علام اتفقتم وفيم اختلفتم؟ قال العلامة أبو مصعب: اختلفنا فى مسألة أقوال الصحابة وأقوال الفقهاء ، فهم يأخذون بهذه الأقوال ونحن لا نعول عليها!! ثم ماذا؟ لقد رفضا أن يبايعا الجماعة! ونحن جماعة الحق ، ومن عدانا فليس بمسلم !! نقول: إن قضية العمل بقول الصحابى ، أو اتباع إمام مجتهد ، من القضايا الثانوية فى الفقه الإسلامى ، ولم يقل أحد طوال أربعة عشر قرنا إن ذلك من أصول العقيدة أو من فروعها.. ولا عده أحد من شعب الإيمان السبعين.. فكيف يكون الرأى فى هذه القضية ـ سلبا أو إيجابا ـ مخرجا من الملة أو مدخلا فيها؟! ماذا نقول!؟ وكيف ينسلخ عن الإسلام من خالفنا فى رأى؟ أو فى أسلوب عمل ، فنعلن عليه الحرب حيا ، ونمتنع عن الصلاة عليه ميتا؟ لكن هكذا علم المهندس شكرى أتباعه!! يقول الشيخ عبد الرحمن أبو الخير: لقد اتفقنا فى الأصول ، ثم اختلفنا منذ اليوم الأول فى الفرعيات. ما هذه الفرعيات التى اختلف الشيخ عبد الرحمن فيها مع زعيم الجماعة؟ هى:
 ا ـ سحب الكفر على عصور التاريخ الإسلامى منذ القرن الرابع للهجرة.
 2 ـ كون جماعتنا هى الجماعة المسلمة الوحيدة فى العالم.
 3 ـ تكفير الإخوان المسلمين كشخصية معنوية فى ميدان الحركة الإسلامية..
نقول: العجب من تسمية هذه القضايا الخطيرة فرعيات ، وهى تدور على محور مشترك من تمزيق الأمة وتاريخها وإكنان البغضاء لعباد الله الصالحين ، من سابقين ولاحقين.. لقد وصف القرآن نماذج الإيمان الرفيع بأنهم (أشداء على الكفار رحماء بينهم). وهؤلاء الناس على العكس أشداء على المؤمنين رحماء بالكافرين!! إنه لم يقبل هدنة فى مهاجمة حسن البنا ، على حين كان متلطفا فى الحكم على قادة السياسة العربية المعاصرة فى مصر وليبيا ، ويستطيع القارئ مراجعة ذلك فى الكتاب المذكور!! وأى دارس للنفس البشرية يلمح عقدة "النقص والطموح " فى نفس هذا الداعية البائس ، غفر الله له ، وتقبل دمه فى التائبين!!..

 ***

    فى بحث سابق تحدثنا عن القلوب وأمراضها، وأرى أن هذا البحث يجب أن يمتد ويطول ، فإن العوج النفسى منتشر بين البشر انتشارا ذريعا.
واكتشاف جراثيمه قد يحتاج إلى البصر الدقيق المتفرس ، ولكنه يسهل بين العوام ويصعب بين المتدينين ، فإن الشعائر الرتيبة قد تنسج حجابا سميكا على طبائع الناس ، ولكنها لا تمحو رذائلهم إلا إذا جاهدوا أنفسهم جهادا شديدا. وكيف يجاهد نفسه معجب بها راض عنها! وفقر الثقافة الإسلامية من دعاة أطباء القلوب نقص رهيب.. وكان المفروض أن ينهض التصوف بهذا الجانب كما فعل رجاله القدامى ، ولكن أغلب الطرق تضم مجانين وملتاثين لا حصر لهم.. وأشهد أن حسن البنا كان مربيا صادق الفراسة ناجع الدواء ، وكانت طهارة باطنه لا يساويها إلا رحابة أفقه وذكاء فكره.. قلت له يوما ـ وأنا طالب محتد المشاعر ـ لماذا لا نكره فلانا وفلانا؟ فقال لى على عجل وهو ينظر إلى بجد : لا يكن فى قلبك سواد لأحد ، اكره عملهم وتمن الهدى لهم.. وحملقت فيه كأنى لا أفهم ، فأعاد النصح بحنان وعطف: لماذا يكون فى قلبك حقد على الناس؟ لقد عرفت فيما بعد ، بعض أسرار العظمة فى نفس الرجل الضخم ، ورأيت من مواريث النبوة فى أخلاق حسن البنا أنه غزير الحب للناس ، وأنه يأسى لمخطئهم ويتمنى له المتاب.. ألم يقل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى أعقاب نكبة أحد : اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون؟ ألم يقل الله لنبيه ـ وقد برَّح به الحزن لضلال الضالين ـ (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا).. إن الذى لا يحسن التنقيب فى جنبات نفسه لاكتشاف عللها لا يصلح لا داعيا ولا مربيا.. والذى يحرص على اتهام الناس بالكفر والإغضاء عن جهادهم والشماتة فى أخطائهم هو امرؤ مريض الفؤاد.. وقد لاحظت فى المهندس شكرى أمرا جديرا بالنظر ـ لأنه منذ أخذ وحوكم وقتل ـ اتصل به رجال مريبون من سماسرة النظم العلمانية الحاضرة.. يقول الشيخ عبد الرحمن أبو الخير فيهم: ".. جاءوه على هيئة حكماء من الكبار ، وكان الشيخ شكرى فى بنائه النفسى يسره أن يأتيه كبراء الجاهلية إما على هيئة مستمعين للبلاغ! وإما فى هيئة أصدقاء ناصحين ".. وقد تساءلت : لم هذا السرور؟ وماذا يقول لهم؟ إنه مسكين بنى خطته على قتل الإسلام وهو لا يدرى. أقول للطاغوت دعنى أعمل.. "أنا لا أشكل عقبة فى طريقك ، فحجبى للنساء عن الجامعات والمدارس ، أقول للطاغوت ها أنذا أريحك من مشاكل تعليمهم وانتقالاتهم!! وهجرتى لا تشكل خطرا انقلابيا عليك ، إننى أسهم بذلك فى تخفيف مشاكل الإسكان! وبترك الوظائف أريحك من المرتبات. التى تدفعها لنا.. " . ترك التعلم ، وإيثار الهجرة ، والبعد عن الوظائف ، هذه السخافات الصغيرة وجدت جيشا من النساء والرجال يتبناها ، بينهم جامعيون وجامعيات ، وأعداد من الهمل الفارغين يمثلون مأساة إسلامية. ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه إننى أقرر بضيق أن أمثال شكرى كثيرون فى القارة الهندية وجزيرة العرب ووادى النيل.. إلخ. ناس عملهم قليل ، ودعاواهم عريضة. وينبغى أن يعرف الفارق بين بقاء الرجل فى غمار الناس وبين وجوده فى أماكن القيادة ، الرجل العادى يكفيه أى قدر من المعرفة يصحح له شئون دينه ودنياه. أما القيادة فلها نصاب آخر ينمو بقدر أعبائها وامتداد أطرافها.. لا بأس أن يكون الرجل حنبليا فقط مادام عمله بين بيته والمسجد ، أما أن يكون بهذه المثابة ثم يطلب الصدارة فى ميدان الثقافة الإسلامية فهذا سفه وقادة الأمة الإسلامية فى الميدان العلمى والاجتماعى لابد أن تكون أسهمهم ضخمة فى العلوم الدينية التقليدية ، وأطوارها خلال القرون الأولى ، وكذلك فى العلوم الأدبية والإنسانية والفلسفية ، بل لا بد أن تمتد أبصارهم إلى رحاب الإنسانية فى شتى القارات فيعرفوا ما هنالك فى القديم والحديث.. إننى أرفض الفتوى من محدث لا يعرف التفاسير! فكيف يقود الأمة رجل خفيف البضاعة إلا من قراءات قريبة؟! إنه كالفلاح الذى لا يعرف من الدنيا غير حقله والنهير الذى يرويه.
وقد سيطر الجهل والغرور على هذا النفر من المتدينين ، فإذا تجمُّع الشيخ شكرى بعد مقتله يتحول إلى سبعة عشر تشكيلا عليها سبعة عشر أميرا ، بعضهم ينتظر له النجاح فى امتحانات الثانوية العامة!! أرأيت هذه الفوضى فى ميدان الدعوة؟ أعرف أن وراءها أصابع أجنبية! بيد أن اللوم يرتد إلينا قبل كل شىء.. كيف؟ إننا تحدثنا بشىء من الإسهاب عن الخلاف الفقهى وطبائعه ونتائجه ، غير أن الأمر أحيانا يخرج عن دائرة هذا الخلاف ، ويمسى علامة على انهيار خلقى لا على تفاوت فكرى! سمعت من يقول: إن الشرك تطرق إلى تفكير حسن البنا! شرك؟! نعم ، فإنه جعل التوسل بالرسول إلى الله من القضايا الفرعية! قلت: إذا دعا مسلم ربه توسلا إليه بنبيه يكون مشركا؟! إذا تشددت وتحفظت وتطيرت فقل: يكون مخطئا لأنه ترك الأصح إلى الأضعف فى صيغ الدعاء المأثور.. إن الداعى على هذا النحو مسلم يقينا ، والإمام الشهيد ما أخطأ قط فى قوله: إن هذه الصيغة من التوسل لا تحوى كفرا ولا شبه كفر! أما الزعم بأن الشك تطرق إلى تفكير حسن البنا فهو سفالة مقبوحة!! ولغط آخرون من خصوم الأئمة الأربعة بكلام يثير الدهشة. قالوا فى ثورة الإخوان المسلمين على الحكم النصيرى : إن هذا الصراع سواء فى نتائجه المحتملة ، كيف؟ الإخوان مذهبيون ، واذا حدث أن انتصروا فذلك يعنى أن الأحناف مثلا سوف يحكمون ، وأبو حنيفة ليس خيرا من "أسد" النصيرى , الحق أنى ما تصورت ناسا يتسمون بالسلفيين يبلغون هذا القاع من الإسفاف ، وأدركت أننى أمام خيانة عظمى ، وأن خصوم التوحيد وأعداء الله ورسوله قد نالوا من أمتنا منالا هائلا!! تحقير لأبى حنيفة فى الأولين ، وتحقير لحسن البنا فى الآخرين ، وتبقى أمتنا بلا تاريخ. ثم ينطلق الأقزام والأمساخ يعرضون أفكارهم على الأمة اليتيمة ، لتجرى وراءهم إلى الهاوية.. إننى أحذر من الثقافة المسمومة التى تقدم للشباب الغض ، وأذكر أننى ـ بعد احتلال طائفة من الشباب للحرم المكى ـ قلت لرجل مسئول: هؤلاء ضحايا فكر معوج وتعليم مغشوش ، وقد رأيت أشباها لهم فى عواصم إسلامية كثيرة ، يلقنهم الجهل والغلو رجال لهم أسماء ولا مسميات وراءها... رأيت فى عين أحدهم نية القتل وأنا أذكر له بهدوء أن المفتى عندنا من خمسين سنة ألف رسالة عنوانها " القول الوافى فى إباحة التصوير الفوتوغرافى"، وأننا لو فرضناه مخطئا فالخلاف الفقهى فى قضية ما ، يخرجها من دائرة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فلا معنى لهذه السخائم الكامنة ضد التصوير والمصورين..! لكن الشاب كانت تبرق عيناه بنظرات الفتك ، فعلمت أننى مع ولد عديم التربية ، التحق بجماعة دينية لأنه لم يجد عصابة لقطع الطرق يلتحق بها ، فهو فاتك فى ثياب واعظ! ومع ذلك فهو ضحية متحدثين فى الدين فقدوا الإنصاف والاتزان ، يختارون من الأقوال الفقهية ما يلائم أذواقهم ـ وقد تكون سقيمة ـ ثم يعرضون ما يختارون على أنه الدين الأوحد ، مع أن ما اختاروا هو الرأى الأضعف ، ولو كان رأيا صحيحا ما جاز عرضه إلا على أنه رأى وحسب ، وليس عقيدة ينشأ عنها كفر وإيمان..
***
   إن تاريخ المسلمين العلمى أشرف كثيرا من تاريخهم السياسى ، وإن مجهود الأئمة والمربين ، من مجتهدين ومقلدين هو الذى حفظ الإسلام برغم ما أصاب أجهزة الحكم فيه من عطب بالغ.. نعم فى تاريخنا العلمى ما يستحق النقد والغربلة ، ولكنه فى صميمه تاريخ فكر دءوب وسعى مخلص وبحر متلاطم الموج من المواهب والمدارك الجديرة بالدرس. ولم تجتمع الأمة فى تاريخها العلمى على ضلالة ، ولم تعرف قداسة إلا لكلام المعصوم عليه الصلاة والسلام. ويوم يجىء رجل من وادى النيل أو صحراء نجد ليهيل التراب على ذلك التراث كله ، فهو يقطع شرايين الحياة عن الأجيال الحاضرة والمرتقبة.. وهو يخدم بذلك ـ عن وعى أو غباء ـ الغارة الاستعمارية على دار الإسلام. وهنا نستلفت النظر بقوة إلى أن ما يدبر للإسلام بليل ، أقسى وأنكى مما يلقاه فى وضح النهار.. إن المؤامرات تحاك بخبث لتدمير يومنا وغدنا ، وليست أداة ذلك الحكومات العميلة وحدها ، أو الانقلابات العسكرية المصنوعة.. بل أداة ذلك اختراق أجهزة الدعوة فى نقطة ما ، والنفاذ منها إلى داخل الجماعات الإسلامية ليتم ـ على نحو ما ـ عمل أخرق ، يطيح بالنشاط الإسلامى ويوصد أمامه أبواب الحياة.. من أجل ذلك نهيب بالشباب المسلم أن يكون يقظا ، وبالموجهين المسلمين أن يضبطوا كلماتهم وأحكامهم فلا يعطوا العدو فرصة للوثوب من خلالها.. احذروا من يجسم الشكل ويوهى الموضوع.. احذروا من يثير الفرقة ولا يبالى الجماعة.. احذروا من يصعد بالفروع إلى الأصول أو يهبط بالأصول إلى الفروع.. احذروا من يبسط لسانه فينا ولا يقول كلمة أبدا فى أعدائنا.. لقد رأيت من لم يكتب حرفا ضد الصهيونية أو الصليبية أو الشيوعية أو العلمانية.. ومع ذلك ألف كتبا ضد مسلمين ربما كانوا مخطئين أو مصيبين.. ما أخرسك هنا وأنطقك هناك؟! إن لم تكن العمالة لعدو الله فنحن أغنياء عن الحمقى الذين تهيجهم الصغائر ولا تهيجهم الكبائر!! أو الذين هم أشداء على المؤمنين رحماء بالكافرين..! آية الخوارج فى كل عصر ومصر...!
***
    خاتمة قد أعطى نفسى الحق فى مخالفة أى فكر دينى سابق أو لاحق ، ولكنى لا أعطيها أبدا حق الشذوذ أو الخروج على الإجماع.. إننى أوثر السير مع الجماعة الكبرى ، وأحب وحدة الصف والهدف ، وأرى أن الفرقة هزيمة وعذاب وشؤم ، وأرفض أن تكون القضايا الصغرى سببا فى تنافر الأفئدة ، وأوصى أن نتشبث بمعاقد الدين وعراه الوثقى. إن رب العالمين يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ، فهلا تعلمنا من ذلك تجاوز الهنات إذا احترمت الأمهات؟ إن التعاليم العشرين التى وضعها حسن البنا ـ رضى الله عنه ـ تضمنت خيرا كثيرا ، وألحقت جماعته بالركب الإسلامى الكبير ، ولم تفردها بسمة شاذة ، ولم تجعل منه رجلا لطائفة منفصلة عن سواد الأمة. إنه إمام بين عدد من الأئمة الذين ظهروا خلال القرون الأربعة عشر يخدمون الكتاب والسنة ، ويستمدون شرفهم من الولاء المطلق لله ورسوله ، والحفاوة المطلقة بكل من يلقون فى هذا الميدان الطهور ، وإن اختلفت الملامح النفسية والفكرية.. وقد تعلمت من حسن البنا الإنصاف للغير مهما خالف فى الرأى. نعم ، عندما أخالف أحدا فى حكم ما فلا يجوز أن أهمل ما لديه من صواب كثير ، ومواهب قد أفاءها الله عليه ، يجب أن أحترم ذلك فيه ، بل يجب أن أحترم ما وراء خطئه من غيرة دينية ، تربطنى به وإن أنكرت قوله... إن الذى أقلق حسن البنا ، ويقلق كل مصلح بعده ، أصحاب الأهواء الجامحة والمعارف الضحلة عندما يستبد بهم جنون العظمة ، ويريدون فرض قماءتهم على الناس باسم الدين!! ولعل إخراجى لهذا الكتاب يرجع إلى ضرورة الحفاظ على الإسلام من هوس أولئك الأغرار ، إلى جانب أن الجمهور فقير إلى حقائق إسلامية كثيرة حرم منها دهرا.. والمسلمون ينهضون بالعلم لا غير.
 مقررات عشرة:
ذلك وقد أعطيت نفسى الحق فى إضافة عشرة مقررات أخرى أحسب أننا بحاجة إلى إشاعتها. وشرحها وارد فى كتبى الأخرى وفى مؤلفات الرجال الذين يكدحون فى الحقل الإسلامى الرحب. لا أدرى أأصبت فى هذه الإضافة أم أخطأت؟ وحسبى أن الحق قصدت..!!
* * *
    وهذه هى الإضافات التى أرى المجتمع الإسلامى محتاجا إليها:
 ا ـ النساء شقائق الرجال ، وطلب العلم فريضة على الجنسين كليهما ، وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وللنساء ـ فى حدود الآداب الإسلامية ـ حق المشاركة فى بناء المجتمع وحمايته.
 2 ـ الأسرة أساس الكيان الخلقى والاجتماعى للأمة ، والمحضن الطبيعى للأجيال الناشئة ، وعلى الآباء والأمهات واجبات مشتركة لتهيئة الجو الصالح بينهما. والرجل هو رب الأسرة ، ومسئوليته محدودة بما شرع الله لأفرادها جميعا.
3 ـ للإنسان حقوق مادية وأدبية تناسب تكريم الله له ، ومنزلته الرفيعة على ظهر الأرض ، وقد شرح الإسلام هذه الحقوق ودعا إلى احترامها.
4 ـ الحكام ـ ملوكا كانوا أم رؤساء ـ أجراء لدى شعوبهم ، يرعون مصالحها الدينية والدنيوية ووجودهم مستمد من هذه الرعاية المفروضة ، ومن رضا السواد الأعظم بها ، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الأمة كرها ، أو يسوس أمورها استبدادا..
5ـ الشورى أساس الحكم ، ولكل شعب أن يختار أسلوب تحقيقها ، وأشرف الأساليب ما تمحض لله ، وابتعد عن الرياء والمكاثرة والغش وحب الدنيا.
6 ـ الملكية الخاصة مصونة بشروطها وحقوقها التى قررها الإسلام ، والأمة جسد واحد لا يهمل منها عضو ، ولا تزدرى فيها طائفة ، والأخوة العامة هى القانون الذى ينتظم الجماعة كلها فردا فردا ، وتخضع له شئونها المادية والأدبية.
7 ـ أسرة الدول الإسلامية مسئولة عن الدعوة الإسلامية ، وذود المفتريات عنها ، ودفع الأذى عن أتباعها حيث كانوا ، وعليها أن تبذل الجهود لإحياء الخلافة فى الشكل اللائق بمكانتها الدينية.
8 ـ اختلاف الدين ليس مصدر خصومة واستعداء ، وإنما تنشب الحروب إذا وقع عدوان أو حدثت فتنة أو ظلمت فئات من الناس.
 9 ـ علاقة المسلمين بالأسرة الدولية تحكمها مواثيق الإخاء الإنسانى المجرد ، والمسلمون دعاة لدينهم بالحجة والإقناع فحسب ، ولا يضمرون شرا لعباد الله.
10 ـ يسهم المسلمون مع الأمم الأخرى ـ على اختلاف دينها ومذاهبها ـ فى كل ما يرقى ماديا ومعنويا بالجنس البشرى ، وذلك من منطلق الفطرة الإسلامية والقيم التى توارثوها عن كبير الأنبياء ، محمد عليه الصلاة والسلام. تلك هى المبادئ العشرة التى أقترح إضافتها ، والتى أتقدم بها مع التعاليم العشرين لمجدد القرن الرابع عشر الإمام الشهيد حسن البنا ، رضى الله عنه. ولمن شاء أن يقبل أو يرفض... وآخر ما ندعو به: (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ).

محمد الغزالي